صديق العزيز؛

في تصريح صحفي اخبرت انك ”تقوم رفقة كمال الحبيب بمبادرة وساطة بين معتقلي حراك الريف وعائلاتهم والدولة من أجل إيجاد حل لأزمة الريف، ولكنك لن تستطيع التحدث عن تفاصيلها إلى حين إنضاج المفاوضات ورفع الأمر إلى الجهات المعنية بعد ثلاثة أو أربعة أيام، وبعدها ستتحدث في المبادرة عن إمكانية نشر تفاصيل هذه البادرة من عدمه”
لقد أثارت عندي بعض العبارات التي استعملتها، من قبيل: ”مبادرة” ، ”وساطة” ”مفاوضات”، ”الجهة المعنية”، أسئلة و تساؤلات جمة، أردت أن أجادلك فيها تعميما للفائدة و رفعا لكل لبس.
و لقد أدليت بهذا التصريح بتاريخ الخميس 24 غشت 2017. ومرت ثلاثة و أربعة أيام و عشرة أيام….. و مرت الايام، و انتظرت و انتظرت … وطال انتظاري، ولم تفه بكلمة واحدة ولم تفي بعهدك..
ورغم ذلك انتظرت أن تعلل هذا التاخير وتفصح عن المسكوت عنه.

صديقي العزيز؛

قبل أن ادخل في الجدال، أريد أن اجزم بان ما قمت به لم تكن دوافعه لا تملقا ولا انتهازية و لا من اجل مصالح شخصية او مادية، وإنما كان محركك هو حبك لوطنك و لملكك، ومن اجل صيانة و استقرار و ديمومة نظامه الملكي.
أنني لم اشك قط في حسن نواياك، و لكنك تعلم أن الطريق إلي جهنم تكون، في غالب الأحيان، مفروش بالنوايا الحسنة!!!.
لقد انتظرت عيد الأضحى متمنيا أن يتم فيه الإفراج عن معتقلي الريف الأبرياء، الذين سجنوا ظلما و عدوان، ذنبهم الوحيد و الأوحد أنهم طالبوا، وبكيفية سلمية، بحقوق يضمنها لهم الدستور.و أنت ملم بهذه الحقائق.
فكثر هم الذين رددوا، وقلوبهم تزخر غضبا وألما وحيرة وعيونهم تفيض من الدمع حزنا قول المتنبي:
“عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ, بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديدُ ”
فكسرت الآمال ونكست الأحلام وتبدد المبتغى وتلبد الآتي و زغردت الأمهات فخرا ببنيهم و الخليلات بازواجهم.

صديقي العزيز؛

سأكون لك ممنونا لو أطلعتني كيف استطعت المزج بين الوساطة والمفاوضة، علما أن لكل واحد من هذه المفاهيم خصوصيته و شروطه، اللهم إذا كنا أمام مفهوم جديد ”وساطة تفاوضية” نتاج اجتهاد كالذي أنجب ”التناوب التوافقي” و ”الاستفتاء التأكيدي” !!!
اجتهاد ما هو إلا زيغ ما بعده زيغ !!!.تماشيا مع المثل الشعبي “واش كتعرف العلم كنعرف انزيد فيه”

صديقي العزيز؛

عندما كنت أنت ورفاقك منهمكون في هذه”الوساطة التفاوضية” كانت الآلة القمعية وأداتها القضائية الطيعة والجائرة تهشم و ”تطحن” شباب الحراك و تصدر أحكاما، وصلت إلي عشرين سنة في حق شاب لم يتجاوز الثمانية عشرة ربيعا، والذي يجزم بأنه ضحية تهم لا أساس لها من الصحة ، تهم ملفقة و مفبركة!!!.
و كأني بالحجاج بن يوسف الثقفي مخاطبا أهل الكوفة: ”يا أهل النفاق و الشقاق وإني لأرى أبصارا طامحة وأعناقا متطاولة ورءوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها وكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى تترقرق و لألحونكم لحو العصا ولأقرعنكم قرع المروءة ولأعصبنكم عصب السلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل”
إن هذا التصعيد في القمع وهذه الأحكام القاسية توحي بان المقاربة الأمنية لا زالت كلمتها هي العليا وان المتشبثين بها لا يريدون لا حوارا ولا مفاوضة ولا تسوية،
متيقنين بان الغلبة و الشوكة لهم، وأن من اشتدت وطأته وجبت طاعته، وأن هيبة المخزن لا تهان، وان المخزن لا يهزم ولا يركع .
فأين نحن من دولة القانون و دولة المؤسسات؟
إن زبانية المقاربة الأمنية، يعتبرون قادة الحراك عصابة من المجرمين يعيثون في الريف فسادا، والبينة علي ذلك انهم متابعون بمقتضي الفصل 201 من القانون الجنائى والذي ينص على: ” يؤاخد بجناية المس بسلامة الدولة الداخلية،ويعاقب بالإعدام، من ارتكب اعتداء الغرض منه إثارة حرب أهلية بتسليح فريق من السكان أو دفعهم الى التسلح ضد فريق آخر و إما بإحداث التخريب والتقتيل والنهب في دوار أو منطقة أو أكثر. و يعاقب بالسجن من 5 الى 20 من دبّر مؤامرة لهذا الغرض إذا تبعهــا ارتكاب عمل أو الشروع فيه لإعداد تنفيذهــا. أما إذا تبع تدبير المؤامرة ارتكاب عمل و لا الشروع فيه لإعداد التنفيذ، فإن العقوبة تكون بالحبس من ستة الى خمسة سنوات. ويعاقب بالحبس من ستة شهور الى ثلاث سنوات من دعا الى تدبير مؤامرة و لم تقبل دعوته”.

صديقي العزيز؛

أين أنت يا صديقي ومبادرتك ووساطتك التفاوضية؟ أين أنت يا صديقي؟ و أين نواياك الحسنة؟
هل تخيل لك أن ”الجهات المعنية” محتاجة لك للتواصل مع قادة الحراك ومفاوضتهم؟
هل ظننت أن ”الجهات المعنية” سترضى بنجاح مبادرتك، لانه اذا ما تم هذا النجاح ، فهذا سيعني أن لا وجود للدولة المخزنية؟.
ولن تقبل بهذا حتى…. يرجع السهم على فوقه او يلج الجمل من سم الخياط!!!.
ان مبادرتك قد يكون قد حكم عليها بالفشل منذ انطلاقها.
عندما سمحوا لك بزيارة قادة الحراك، اعتقدت أن نواياهم حسنة و انه بإمكانك فعل شيء ما.
الا إن السماح لك بزيارة قادة الحراك لم يكن الا خدعة، و تمويه و ذرللرماد في العيون و خلق لآمال زائفة من اجل احتواء احتقان الساكنة و زرع الفرقة بين مناضلي الحراك و التمادي في القمع تحت غطاء هذه الخدع .
لقد كان أولي بك ان تصطف إلي جانب ساكنة الريف و مطالبها المشروعة، وان لا تتخندق في شريعة العفو، لان معتقلي الحراك، و عددهم جاوز الخمسمائة، من بينهم قاصرين و صحافيين، لم يرتكبوا لا جنحة ولا جريمة.

صديقي العزيز؛

إن الريف أصبح مرجل يغلي من جميع جوانبه فطوبى لمن عرف من أين تؤكل الكتف!!!..
واخيرا، علينا ان لا ننسى ان الوعود لا تلزم الا من يؤمن بها، وبالاخص عندما تاتي من ”الجهات المعنية”!!!
و…. ”إِذا رَأيتَ نُيُوبَ اللّيثِ بارِزَةً … فَلا تَظُنَّنَ أَنَّ اللَيثَ يَبْتَسِمُ“

خالد الجامعي