بمناسبة تقديم الجزء الثاني من المسلسل التلفزيوني “بنات للاّمنّانة” فى القناة المغربية الثانية على امتداد شهر رمضان الأبرك، الذي كان الجزء الأوّل منه الذي بثّ خلال شهر رمضان الفارط قد لقي إقبالا واسعا ملفتا للنّظر من طرف المشاهدين ،ونظرا لكون هذا العمل – كما يشير المشرفون عليه أنّه مستوحى أو مقتبس من مسرحية ” منزل برناردا ألبا ” للشاعر الإسباني الذائع الصيت فيدريكو غارسيا لوركا، حريّ بنا أن نلقي بعض الضّوء على بعض الرموز والأبعاد العميقة الغورلهذه المسرحية، والتناوش الداخلي والنفسي لشخوصها، والصّراع الجوّاني المتشاكس والحاد الذي يقوم عليه هذا النصّ المسرحي الدرامي اللوركي ، وبشكل عام المضمون الحقيقي لهذا العمل الأدبي والإبداعي الذي يشكّل قمّة أعمال إبداعات لوركا المسرحية.

كتب الشاعر الغرناطي لوركا هذه المسرحيّة عام 1936 أيّ أسابيع قليلة قبيل إغتياله ، وبالتالي فإنّه لم ير قطّ ّهذه المسرحية على خشبة المسرح أبدا فى حياته، ولا شك أنّ فيدريكو غارسيا لوركا باعتباره شاعرا ومسرحيّا فذّا ، فضلا عن محنته الإنسانية ، إستطاع أن يفرض نفسه فى مختلف الأوساط الأدبية العالمية ، وبالتالي أن يصبح من أشهر الشعراء الإسبان داخل إسبانيا وخارجها .

يرى لوركا أنّ المسرح ينبغي له أن يكون عاريا من أيّ تنميق ،ويعتمد أساسا على معالجة إشكالية الإنسان فى الحياة ،لذا فإنّ من أهمّ المواضيع التي إستقطبت وإستاثرت باهتمامه فى مسرحياته قضايا مثل :الحبّ المستحيل، الحبّ الفاشل ،أو الحبّ الذي تحيق به خيبة الأمل، الفراق،الرّغبة المستحيلة ،التطلّع والتحرّروالإنعتاق ، إنّ عالم لوركا المسرحي فى مجمله يقوم فى الواقع على موقف أساسي وهو المواجهة المتصارعة بين نوعين من القوى المتمثّلين فى مبدئي التسلّط والتحرّر .

مسرحيته “منزل برناردا ألبا” كلّ شخصياتها من النساء ( هذا العنصر تمّ تجاوزه فى مسلسل للاّ منّانة). الأرملة “برناردا” تتولّى(للاّمنّاتة) بعد موت زوجها مسؤولية تربية بناتها الخمس، وتجعلهنّ يخضعن لنظام تربوى صارم،يعني فى الواقع دفنهنّ فى الحياة ،وإنّ ظهور (شبح) الرجل الوحيد فى المسرحية “بيبي رومانوس” (عماد) ليتزوّج من إحدى بنات برناردا “أنغوستياس” ( ماريا ) ، (وينبغي الإشارة أنّ إسم أنغوستياس يعني فى اللغة الإسبانية الغمّ والكرب والقلق) بينما له علاقة فى الخفاء بأختها الصغرى”أديلا” (شامة) ، ومراقبة الأخت الكبرى ” مارتيريو ” (بهيّة) لهذه الأخيرة ، كلّ ذلك يؤدّى إلى خلق أو إيجاد سلسلة من الأحداث والصراعات والتوتّرات والتناوش فيما بين الأسرة لا مخرج منها سوى الجنون أو الموت .

الأنثى المتسلّطة

تدور أحداث مسرحية لوركا الأصليّة فى حيّز مغلق ومكتوم (عكس المسلسل الذي تمّ فى فضاء واسع مفتوح) هذا الحيّز المغلق لا يملأه سوى أوّل وآخر كلمة تنطق بها برناردا وهي”الصّمت ” وعلى إمتداد هذا الحيّز الزماني والمكاني الأوّلى والنّهائي المفروض بواسطة برناردا يتطوّر الصراع بين قوّتين كبيرتين ، أو مبدأين أساسيين ، نزعة “التسلّط” المتجسّم فى برناردا ( الأمّ) ومبدأ “الحرية ” المتمثل فى بناتها .المبدأ الاوّل يظهر وكأنّه يستجيب لنظرة كلاسيكية لعالم تسوده أخلاقيات إجتماعية معيّنة ،إنّ برناردا تفرض فى عالم منزلها المغلق نظاما صارما يميّزه الأمر والنّهي المطلقان ، وهذا النظام بالنسبة لها هو الحقيقة الوحيدة الماثلة أمامها لا تقبل بشأنها أيّ إحتجاجات أو أعذار مهما كان نوعها أو مصادرها . وعلى إمتداد المسرحيّة يتجلّى لنا هذا المبدأ ويزداد تصعيدا وإستمرارية، و تناوشا وتوتّرا . إنّ برناردا ليست فقط الأنثى الباردة القاسية المتسلّطة –كما يبدو لنا منذ الوهلة الاولى فى المسرحية- بل إنّها أساسا تعتبر رمزا لغريزة الهيمنة المطلقة التى تنفي حقيقة وجود الآخرين، فى هذه الحالة ،داخل منزلها . إنّ برناردا وبناتها تواجه كل منهما الآخر ، وأين ؟ داخل حجرة مغلقة ، هذه المواجهة لابدّ لها فى النهاية أن تفضي إلى تحطيم إحدى القوّتين المتصارعتين ، ولا يمكن لهذا العالم سوى أن يجد له مخرجا واحدا من مخرجين إثنين ( قبول مبدأ التسلّط لدى برناردا، أو الحمق وهو أبعد مراحل الهروب والفرار) . مثال ذلك والدة برناردا فى المسرحية،(وهذا لم يحدث فى المسلسل) أو الإنتحار ، وهذا ما حدث بالفعل فى المسرحية الأصليّة ل”أديلا” إحدى بناتها ( ولم يحدث فى المسلسل أيضا) .

على الرّغم من بلوغ هذا الشأو البعيد من الأسى والألم والمأساة ، مع ذلك تظلّ آخر كلمة لبرناردا فى المسرحيّة : ” أتسمعنني ، الصّمت ، أقول الصّمت ” وبذلك يزداد هذا العالم إنغلاقا فى مواجهة بعض عناصر الحياة الأساسيّة وهما : الحقيقة والموت . من كلماتها التى تنزل على مسامع بناتها نزول السّيف على القفا : ” هذا البيت سوف يغرق من جديد فى بحر من حداد ” ، ماذا سيكون موقف بناتها الأخريات.. ؟ ، إنّهنّ جميعهنّ يعرفن الحقيقة ، ولكن ما السبيل إلى تحطيم هذا الصّمت المفروض من طرف برناردا ؟ إنّ “أديلا” أو “عادلة”(شامة) ربما كانت هي الشخصية الأكثر تمرّدا ، وإنّ إنتحارها (فى المسرحية الأصلية)الذي ينزل على المشاهد نزول الصّاعقة يرمز إلى الإنعتاق الميؤوس منه ، بل إنّه المخرج الوحيد، والمنفذ اليتيم حيال الرّفض القاتل المضروب حولها ، خلافا لذلك (شامة فى المسلسل تلد مولودة ليلة عرس أختها وتتفتّح للحياة..) .

لا شكّ أنّ لوركا كتب هذه المسرحية بعناية فائقة ، ففيها يحاول أن يظهر لنا أهميّة المال فى العلائق البشرية وتأثيره عليها ، ورضوخ الحبّ للمصلحة النفعيّة فى حياتنا ، تقول إحدى بنات برناردا :” المال الوفير خير من الوجه النضير ” . قوّة الرجل إزاء المرأة وحاجتها إليه ،ترسيب الطبقات الإجتماعية ، طريق الحريّة المضرج بالدماء..إلخ. إنّ مسرحية ” برناردا ألبا “تميّزها واقعية شعريّة وسحريّة ، ويطبعها طابع غير محلّي ، فالموضوع فى حدّ ذاته ، بل والتعابير المستعملة فيها ليست أندلسيّة صرفة، حتى ولو كانت الأحداث تدور فى إحدى القرى الأندلسية المسمّاة “ببالدرّوبيو” .

http://t1.hespress.com/files/bernardalba_887526278.jpg

الإبرة والسّوط

إنّ شخصية ” بيبي رومانوس”الرجل الوحيد الذي يدور عنه الحديث فى المسرحية والذي تتوق لحبّه بنات برناردا لا يظهر أبدا على خشبة المسرح ، ينتهي إلى سمع المشاهد فقط وقع حوافر حصانه وهو يحوم حول منزل برناردا ، ممّا يزيد فى إثارة المشاهد ودغدغة فضوله وتطلّعه وبالتالي إطلاق العنان لخياله . فهنا نجد وكأنّ لوركا يشرك المشاهد فى حبك الخيط الدرامي للمسرحية ، بل والإسهام فى تصوير وتخيّل شخصياتها ،إذ كلّ منّا يحاول أن يضع أمامه صورة بيبي رومانوس فى شكل يختلف عن الآخر ،فضلا على أنّنا لا نعرف شيئا عن شخصيته ، تكوينه، طبعه ،ميوله ّ، تفكيره ومستواه..إلخ.

إنّ” الأقوال” التي تترى فى المسرحية بين الحين والآخر لا تخلو من عمق وشاعرية وحكمة وطرافة ، فبرناردا تعلن إغلاق الأبواب حدادا على موت زوجها ولا يحقّ للبنات أن يبرحن المنزل، ،وتقول الحكمة على لسان برناردا” المنزل مكانكنّ ، فالإبرة والخيط للمرأة “والسوط والدابّة للرجل”، و”أديلا” تصيح :” إنّنا إذا لم نستطع مواجهة البحر ، فأحسن شئ أن نوليه ظهورنا”.

مشاركة البنات للغناء الذي يصل إلى أسماعهنّ من الخارج من خلال قضبان النوافذ الحديدية السميكة . الكلمات تقول:” إفتحوا النوافذ والأبواب “فى أغنية رمزية تجسّد الحالة التي توجد فيها بنات برناردا .الأغاني وعناصر أخرى تتخلّل المسرحية تخدم السياق العام لها مثل: الصيّاح وضربات الأكفّ والأرجل فى دقّات عصبية متشنّجة متوالية ترمز إلى ما كان يعتمل فى نفوس شخصيات المسرحية من قلق وتوتّر ومعاناة.وممّا يعطي لمضمون المسرحية بعدا تراجيديا عميقا هو عامل الإنارة فالمسرحية تكاد تخلو من أيّ إشعاعات ضوئية باهرة وكأنّ الأحداث كلها تدور فى حلكة الليل وعتمته وجنحه .

أجواء مغربية

أوّل ما يسترعي إنتباه المشاهد فى مسلسل “بنات للاّمنّانة”من إخراج” ياسين فنان” (والمستوحى من مسرحية لوركا) هو الأجواء المغربية التي تغلّفه . فقد نزع المخرج عن مسرحيّة لوركا قبّعة لغة “سيرفانطيس” وألبسها طربوشا مغربيا أصيلا ، وهنداما شماليا قشيبا ،فأصبحت الأجواء والموسيقى والغناء والفلكلور ، بل والأزياء كلها مغربية بحتة . فلون السواد لون الحداد عند الإسبان تحوّل إلى بياض عند المغاربة ، بل إنّ “بنات للاّ منّانة” يرتدين خلال المسلسل فساتين وأقمشة زاهية ملوّنة فكل واحدة ترتدي لونا مختلفا أو مغايرا للأخرى(ماريا) ترتدي اللون الأخضر، و(شامة) اللون الوردي، و(بهيّة) اللون الأزرق،و(رحيمو) اللون الأصفر ، وكل لون يرمز إلى الحالة النفسية والداخلية لكل واحدة منهنّ.هذا كما أنّ الرّقصات والأغاني والأهازيج التي تتخلل المسلسل كلها مغربية ،باستثناء الموسيقى التصويرية للمسلسل التي كانت عبارة عن عزف على القيثار الإسباني، ومقاطع من موسيقى الفلامنكوالمنتشرة فى مختلف الربوع والأصقاع الأندلسية،وذلك تماشيا مع روح وجوهر النصّ المسرحي ذي الأصل الإسباني .

برناردا بلسان عربيّ فصيح

هذا وتجدر الإشارة من جهة أخرى أنّ مسرحية “منزل برناردا ألبا “للوركا كانت قد قدّمت بنجاح بلسان عربيّ فصيح منذ بضع سنوات بمدينة ألكالا دي إناريس ( قلعة النّهر) القريبة من مدريد ، بمشاركة عشرين من الممثّلين والتقنيين المغاربة ينتمون إلى المسرح الوطني الجامعي لمدينة الدار البيضاء، ومن إخراج المخرج الإسباني فرانسيسكو أرتونيو ومساعده المغربي محمّد المتوكل .وكانت عملية تقديم هذه المسرحية على مسرح “سيرفانطيس” بمدينة ألكالا دي إناريس” تجربة فريدة رائدة ، وعلى الرغم من تقديم المسرحية بلغة الجاحظ والمتنبّي وأبي عبادة البحتري فى قلب المدينة التي ولد فيها ميغيل دي سيرفانطيس صاحب “دون كيشوت” فقد لقيت إقبالا منقطع النظير .وكان ذلك بالنسبة لجميع الحاضرين والمشاهدين دليلا قاطعا على مدى عمق التجاوب والتمازج الثقافي بين المغرب وإسبانيا . إنّ آثار القرون الثمانية التي عاشها المسلمون فى هذه الديار ما زالت ماثلة فى القلب واللسان والطباع، وليس فقط فى المباني والمدن والقلاع.

كما تجدر الإشارة كذلك إلى حدث له دلالة خاصّة وبالغة عرفه اليوم الأوّل الذي قدّمت فيه هذه المسرحية وهو يتمثّل فى حضور شقيقة كاتب المسرحية الشاعر فدريكو غارسيا لوركا السيّدة إيزابيل غارسيا لوركا –التي كانت لمّا تزل على قيد الحياة-ممّا أضفى على هذا العرض المسرحي قيمة رمزية عميقة ، وترك أثرا بليغا لدى المشاهدين والممثلين على حدّ سواء.وكانت شقيقة لوركا قد عبّرت لي حينذاك عن مدى إعجابها بالأداء ، وعن دخول الممثلين وإنغماسهم فى طيّات وثنايا وعمق النصّ اللوركي والتأقلم معه . ولقد أسرّت لي وقتئذ وأمارات التأثّر الشديد بادية عليها :”لقد أحسست وكأنّ أخي جالس بجانبي ، وحاضر بيننا” .

قام بترجمة النصّ الإسباني لهذه المسرحية آنذاك الكاتب المغربي محمد العشيري، علما بأنّ هذه المسرحية سبق أن نقلها إلى اللغة العربية الدكتور محمود مكّي وسواه . كما نقلت هذه المسرحية إلى السينما بواسطة المخرج الإسباني ماريو كاموس.