الحمد لله رب العالمين. جعل سنة التغيير كلية و ركيزة من كليات و ركائز دينه العملي العلمي القوي المتين ثم وكل تحقيقها و اناطه، رغم ضخامته و جسامته، باختيار تكليفي شرطي و قبلي لهذا الانسان المخلوق ضعيفا و عجولا، تكريما و تمييزا و تفضيلا له على سائر المخلوقات و رفعا من منزلته و شانه فقال جل شانه و تقدست اسماؤه: ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم و اذا اراد الله بقوم سوءا فلا مرذ له. و في اية اخرى: ذلك ان الله لم يكن مغيرا نعمة انعمها على قوم حتى يغيروا ما بانفسهم و ان الله سميع عليم.

و يوخذ من بعض الروايات ان النبي صلى الله عليه و سلم قال: ان الله ليغير “ليزع” بالسلطان ما لا يغير “يزع” بالقران. و الراجح بل المقطوع به ان القائل هو ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه. و الحقيقة ان هذا كله انما هو اختبار و امتحان الغاية المرومة منه ان يعلم الله، و هو العليم الخبير الحكيم، و ينظر كيف نعمل و ماذا تكن صدورنا وقلوبنا على اساس: ان يعلم الله في قلوبكم خيرا يوتكم خيرا… و العكس بالعكس اذ للخير اسبابه و للشر اسبابه. و الا فان الانسان، الا كثر شئ جدلا، اعجز و اضعف من ان يغير من تلقاء نفسه و حوله و قوته مثقال ذرة الا باذن الله و مشيئته و سابق علمه و قضائه مصداقا لقوله: و ما رميت اذ رميت و لكن الله رمى… و ما تشاؤؤن الا ان يشاء الله رب العالمين… و لو شاء ربك ما فعلوه فذرهم و ما يفترون… ما اصاب من مصيبة في الارض و لا في انفسكم الا في كتاب من قبل ان نبراها ان ذلك على الله يسير لكي لا تاسوا على ما فاتكم و الا تفرحوا بما اتاكم. و الله لا يحب كل مختال فخور. و قس على ذلك  في كل صغيرة و كبيرة من الحادثات و المحدثات و من انكرها في الشرع و اضلها في القياس و اخبثها في العرف و اقربها في الزمان فتنة و بلاء ما يكاد السموات يتفطرن منه و تنشق الارض و تخر الجبال هدا، ان يشهد عهد متبنيي المرجعية الاسلامية صناعة و تسويق و ترويج افلام الخلاعة و الاباحية و العهر و الفسوق و الفجور و الفحش و الخبث المشمئزة له النفوس و لو كانت كنفس ابي نواس بين المسلمين جهارا ظهارا دون اكتراث و لا حياء و لا تخوف و لا تحسب لوعيد قول الواحد القهار ذي الغيرة الشديدة على حدوده و محارمه: ان الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين امنوا لهم عذاب اليم في الدنيا و الاخرة… و الاية تتحدث عن مجرد النية و المحبة بحكم ان الناوي للفعل او الراضي به في الوزر كالفاعل. اما المساهمة العملية و الشهادة التقريرية و التزكية بالعلانية فخطبها اعظم و عقابها اشد و انكى لا محالة. والمقصود هنا بالافلام هو فيلم ” الزين اللي فيك ” الذي لو اخرج مثله في اسرائيل لاستقالت بسببه حكومة نتنياهو حياء وخجلا مما يحمله بين اليافه الخبيثة من اهانة وتحقير وتشيء خاصة للمراة على ما سمعنا دون الرؤية التي نعود بالله من شرها.

اما بعد:

فاود بداية ان احدد المحاور التي سيدور موضوع هذا الجزء ان شاء الله حول رحاها الطاحنة الثقيلة في ثلاثة:

مع ثلاثة تقي صاحبها              ما لم تكن نون الوقاية تقي

و هي مظاهر الظلم في قوانين حكومة الاسلاميين المارقين عن الدين كمروق السهم عن الرمية و اشد، متجسدة في قانون الانتخابات. لقرب موعدها، و قانون الضرائب، لحلول موسم جبايتها، و قانون الجنايات و في واجهتها ما يسمى في اصطلاحهم بعقوبة الاعدام التي اثارت ما اثارته من المبكيات المضحكات الهزليات السافلات في البرلمان كما في الحكومة الاسلامقراطية و غيرها من الاوساط السياسية و الاعلامية و الحقوقية و الشعبية حتى. لكن قبل ذلك ارتايت اولا ان احيط، جميع مناضلي حزب المصباح خاصة و جميع سكان منطقة سوس عامة، علما بمعلومة لطالما حيرني امرها و هي التي تتعلق بموت أو اغتيال او انتحار ابن المنطقة المسمى عبد الله باها القيادي العدالي المشهور المعروف عند الراسخين في علوم الميدان بحنكته السياسية و دربته العملية و بعد غور الفكري الى درجة انه كان يعتبر من اذكياء الحزب بل هو عقله المدبر و قلبه النابض و افضل القوم فيه اطلاقا و ارجحهم رأيا و ايمنهم نقيبة، فضلا عن كونه كان ذا شكيمة مبدئية قوية لا يرام. مما جعل حتفه بتلك الطريقة الغريبة العجيبة البشعة المروعة، مثار كثير من الالغاز و التساؤلات و المجادلات و الاستفزازات و التخويفات و غيرها. بالرغم من انه انما سعى له  بانتمائه المتهافت الى ذلك الحزب الذي لو خالطت افكاره ومبادؤه الضالة ماء الابحر السبعة لافسدته.

و حيث نحن في احضان و طننا العزيز هذا، و في ايام حكومتنا الرائدة، المنصبة لقيادة “دولة الحق و القانون” و العدل و الحريات العامة و الخاصة و ما الى ذلك من عناصر “حقوق الانسان” التي من اهمها ابداء الراي و القناعة و المبدا مؤيدا بالشواهد و الدلائل و القرائن و في حدود اللياقة و الضوابط الادبية الحضارية للاختلاف الطبيعي بل الضروري و قصد المصلحة العامة و تنوير وعي الناس و المساهمة الفعلية الشريفة في تحسيسهم بحقوقهم وواجباتهم و مسؤولياتهم امام انفسهم و ضمائرهم ثالثا وامام غيرهم ثانيا و امام الله عز وجل ربهم اولا و اخرا.

ذلك و من اجل ذلك فحسب، فبعدما فكرت و قدرت و نظرت، قررت اخيرا ان ادلي بدلوي مع الدلي في هذه القضية الشائكة و اقول و بالله التوفيق ان من انكر و اظلم و افدح و افظع ما سمعته من ذاك الرجل في اخر تصريحاته المسجلة قبل موته تحت عنوان “المرحوم عبد الله باها و الملكية” ادعاؤه الباطل الزاهق، كداب آل حزبه مسايرة و محاكاة، ان المرجعية الاسلامية هي التي تحملهم و ليسوا هم الذين يحملونها، و هذا تدقيقا وتحديدا هو بالذات ما لم ابرح ادندن حوله منذ زمان مستنكرا و مستقبحا من خلال دندنتي الحربية المسلحة بالعلم و البينة و الدليل مع القوم، استغلالهم الفضولي البشع المغرض الوقح لهذه المرجعية باتخادها مطية ذلولا ومشرية بثمن بخس لبلوغ مآربهم الدنيوية المحضة الحقيرة التي هي محط ركابهم ومنتهى امالهم، فشاء الله ان يشهد على ذلك شاهد ثقة لانه من كوادرهم خرج، ضدا على حقيقة الامر في القضية و مفادها ان الاسلام عامة و شمولا انما هو امانة محمولة على كواهل المسلمين بدليل قول رب العزة مخاطبا نبيه المصطفى و من خلاله امته: انا سنلقي عليك قولا ثقيلا. و هو القرآن دستور كل جميل و نبيل مجسد في هذا الدين الحنيف العظيم السمح الرحيم اليسير على من يسر الله له و عليه حمله. و في اية اخرى: انا عرضنا الامانة على السموات و الارض و الجبال فابين ان يحملنها و اشفقن منها و حملها الانسان (محل الشاهد) انه كان ظلوما جهولا… و الفرق واضح جلي و شاسع بين الحامل و المحمول في هذا المقام خاصة و هو كالفرق بين العبد و السيد، ولله المثل الاعلى. بمعنى ان المحمول عادة يقتضى ان يحظى بمنزلة العلو و الفوقية و الرفعة عكس الحامل فان منزلته مظنة التحتية و السفلة، دون قصد الانتقاص من مقام احدها على حساب الاخر تحت طائلة الهلاك على شاكلة داب فرعون المقرون ذكره في القرآن بصفة العلو و الاستكبار المفضى الى التبار: انه كان عاليا من المسرفين… ان فرعون علا في الارض… ان فرعون لعال في الارض… و هو في الحقيقة علو تسفل و حطة و انحدار بدليل حرف الجر “في” بعده بدلا عن “على” او “فوق” و الله تعالى اعلم.

هذا، و انطلاقا مما سلف فان جراة الهالك و تاليه السافر على الله سبحانه و تعالى، عن علم او عن جهل، من خلال تصريحه الخاطئ الخطير لا تختلف كثيرا عن مقالة فرعون نفسه: انا ربكم الاعلى (تامل ذكر العلو هنا ايضا) فاخذه الله نكال الاخرة و الاولى. و الفاء في الاية تدل على الترتيب و التعقيب على سبيل الفورية في اخذ الله له ليجري المياه من فوق راسه بعدما كان يقول: و هذه الانهار تجري من تحتي. و مفهوم الاية يدل ايضا على انه و كأنه كان ينظر من اعلى الى هذه الانهار. فتامل ترشد و اعلم ان المقاربة الاجتهادية هنا للمشاكلة و استنباط الحكم و اخذ العبرة ممن سلف و من خلف. و الا فعلى كل حال و كما قال من قال.

طاف يبغي نجوة فهلك               كل شيئ قاتل حين تلقى اجلك.

و هذا ما تيسر من املاء الخاطر بصدد الطرح الاول و هو الموت الطبيعي الذي لم تتدخل فيه يد الغير عمدا و قصدا. ضربوا التران اومات على غرار: لاحو لحمار اوتلكا مع عمرو. كما عند اولاد جرار الاحرار، او كما قال الشاعر:

تعددت الاسباب و الموت واحد                  فمن لم يمت بالسيف مات بغيره

و لله در امراة عجوز احضرها الحجاج بن يوسف الثقفي الظلوم الغشوم الجبار ليتشفى منها بعد ان قتل ابنا لها فبادرته بقولها مفحمة و ملقمة اياه حجرا بين شدقيه: لو لم تقتله لمات، اعتقادا راسخا منها انه كما قال عز وجل: وما كان لنفس ان تموت الا باذن الله، كتابا مؤجلا. فاللهم ارزقنا بديهة العجائز وايمانهن الفطري البرئ من غير تكلف و لا تفلسف و لا غلو و لا تنطع.

الاطروحة الثانية المحتمل ورودها بقوة في سبب موت الهالك نستنتج معالمها من خلال المعطيات الاتي ذكرها كقرائن داعمة بعضا لبعض و تصب في كون المقتول قضى نحبه نتيجة مؤامرة مبيتة ضده كسياسي سوسي امازيغي له وزنه و مضروب له حسابات كبيرة في الساحة ان عنده انصاره وحساده و اعدائه و الخصوم. و هاك بعض العناصر الدالة على ذلك دلالة البعرة على مرور البعير من الفج و بدون تعليق او بشئ منه يسير.

اولا: و ما شهدنا الا بما علمنا ومنه انه منذ استقلال المغرب الى اليوم فان الوزارة الاولى او ما سمي مؤخرا و دستوريا برئاسة الحكومة لم تكن و لو مرة واحدة من نصيب زعيم سوسي امازيغي على ما اعلم.

ثانيا: من المعلوم بداهة ان الامين العام لحزب العدالة و التنمية قبل بنكيران لم يكن سوى سعد الدين العثماني السوسي المعروف بكفائته و لباقته و اناقته و لياقته و ابتسامته و ثقافته السياسية و الشرعية الواسعة، “وراديكالية” و صلابة مواقفه و متانة مبادئه و غير ذلك مما كان يؤهله لاستحقاق رئاسة الحكومة لولا انه زحزح و ابعد بشكل مفاجئ و مدهش من جهة و ممنهج مدروس بذكاء و دهاء بالغ من جهة اخرى من صدارة الامانة العامة للحزب قبيل فترة مختارة بعناية و تنظير لحلول الانتخابات سنة 2011 و التي ساقت بنكيران  الفاسي سوقا بدلا عنه الى منصبه العالي الحالي. و كل ذلك كان في تدبيره من باب:  يستخفون من الناس و لا يستخفون من الله و هو معهم اد يبيتون ما لا يرضى الله من القول.

ثالثا: لم يلبث سعد الدين العثماني الا قليلا ليقال من منصبه كوزير للخارجية على خلفية الانسحاب الشرفي الاعتزازي الابي على كل حال للاستقلالين من الحكومة. و كانت الاقالة كما يعلم الجميع مفاجئة و مهينة الى درجة انه كان جد متوقع ان يستقيل العثماني او ينشق نهائيا عن الحزب الا ان ذلك لم يحصل لاسباب علمها من علم و جهلها من جهل ومنها ان دخول الحمام ليس كمثل الخروج منه.

رابعا: ان من له ادنى دراية و اطلاع بادنى ابجديات السياسة في هذه الازمنة المضطربة سيكتشف بكل سهولة ان حظوظ بنكيران لولاية رئاسة حكومية قادمة باتت ضئيلة بل ممتنعة لفرط ما عهد عنه من ارتجالية و اندفاعية و لجاجة و عناد غير لائق بمقامه خصوصا اثناء جلسات المناقشة في البرلمان ناهيك عن بعض تصريحاته الانزلاقية الزلاتية الخطيرة و منها ان الحكومات السابقة لعهده، و هو العزيز الكريم الرشيد، لم تكن سوى سكريتيرات “لجلالة الملك” علما ان علاقات السكريتيرات مع المديرين عامة معلومة و من ابرز نماذجها علاقة بيل كلنتون بمنيكته. و من تلك التصريحات المتهاتفة ايضا ان اليهود سبقوا المسلمين الى المغرب و كأن الجد التاسع عشر للمدعى العالم الشاهد هو الذي فتح لهم الباب على اساس: ادخلوا عليهم الباب فاذا دخلتموه فانكم غالبون… و ما الى ذلك مما لئن عثر على ان ينساه هو كقائل متملق لا راذل الخلق فان ذاكرة المغاربة و هم المهانون المتنقص من شانهم من جانب رئيس حكومتهم مرارا، لن تنساه بل سيبقى وصمة عار و هوان في جبين تاريخهم الحديث، رضي بذلك من رضي و سخط من يسخط و شرب من البحر الاجاج من يشرب. الا فقد علم كل اناس اليوم مشربهم “اوا سمونات اهدوزن نون اربي غكلي تنتسمون لوقت”.

خامسا: و حيث ان الحزب الاسلامقراطي مازال رغم عن كل ما حصل قويا مقارنة مع باقي اقرانه في الساحة على سبيل قول الشاعر و لو نسبيا: 

اذا خلا الجبان بارض                     طلب الطعن وحده و النزالا

فان كل المؤشرات توحي بان موازين حظوظه لتصدر نتائج الرهانات الانتخابية القادمة مازالت وافرة تضاهى حظوظ نجاح مهرجان موازين و ما ادراك ما هو في بلد الاسلام و في عهد الحكومة الاسلامية. وعليه فان وجود العثماني  و باها في الحزب كشخصين سوسيين امازيغيين مميزين بما لهما من وزن في الحزب  و في خارجه و طيب سمعة و ذماتة اخلاق يجعل ابواب نسب احتمال وصول احدهما الى رئاسة الحكومة مستقبلا مفتوحة على مصراعيها ضدا على ما اعتيد و تعورف عليه من ذي قبل. و لذلك فرواية الاغتيال التصفوي واردة بقوة و قائمة و لها ما يبررها و لو اجري بحث مهني احترافي في هذا الاتجاه لاكتشفت امور اخرى لا يعلم سرها الا الله سبحانه الذي لا تخفى عليه خافية من هذه الاشياء التي يستحيل ان تكون مجتمعة من قبيل مكر الصدفة و خداعها و الله اعلى و اعلم و احكم.

 بخصوص رواية الانتحار فذلك امر موكول الى الله عز وجل في صلته بعبده. و لكن لاباس ان نذكر و الذكرى تنفع المؤمنين انه يندرج في حكم قتل النفس التي حرم الله الا بالحق بدليل قوله عز وجل في سياق النهي البات: و لا تقتلوا أنفسكم ان الله كان بكم رحيما. و في الحديث المتفق عليه ان النبي صلى الله عليه و سلم قال فيما يرويه عن ربه: بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة. نسال الله العفو و العافية و حسن الخاتمة.

هذا وللتاكيد مرة اخرى فالذي سطر اعلاه، انما هو راي مكفول حق ابدائه في الدستور و منصوص على وجوبه، وجوبا عينيا او كفائيا حسب الاقتضاء، في القرآن الكريم مندرجا في السياق العام لمرسوم قوله تعالى: كنتم خير امة اخرجت للناس تامرون بالمعروف و نتهون عن المنكر و تومنون بالله. فاللهم اجعلنا من المؤمنين الصادقين المخلصين لك الدين و انت تعلم يا ربنا و يا رب كل شئ اننا لا نريد من وراء هذه البيانات الامينة الا العزة و الكرامة التي وجدنا حلاوتها في دينك و حرمناها باسمه الى درجة اننا لم يعد لنا، كمسلمين مضطهدين، من الحقوق حتى مثل نصيب ما اعطاه نبيك الكريم صلى الله عليه و سلم ليهود تيماء بعدما صالحهم بمقتضى كتابه اليهم و نصه: هذا كتاب محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم لبني عاديا ان لهم الذمة و عليهم الجزية و لا عداء و لا جلاء الليل مد و النهار شد. ونحن علينا الجزية كما سياتي ذكرها و ليس لنا اية ذمة. و كل ذلك في زمان و مكان يشهد بشره و حجره و مدره ووبره و ارضه و سماؤه و ليله و نهاره ان هواننا في اعين اعدائنا في الداخل و الخارج بلغ مدى مفهوم  المثل التشبيهي: كالثعلب في جحره، ان اقمت عليه اخذته و ان تركته لم يضرك. و هذا حتى على مستوى حكامنا. اما العلماء وخصوصا منهم عمار وسدنة المجالس العلمية، و لفرط تعلق غالبيتهم بالدنيا و زخرف زينتها و متاعها الزائل و تقاعسهم العملي عن النصيحة لاولى الامر منهم فانهم اصبحوا في الواقع كالذي يقاد من بطنه لا من عقله وفكره و مسؤوليته كعالم، كالدابة تهدى الى حظيرتها بحفنة شعير او حزمة برسيم حتى تدخلها راضية مرضية امنة مطمئنة. و حجتهم في ذلك و هي حق يراد به باطل: فمن شاء فليومن و من شاء فليكفر، ماتريغا نكي؟ و هذه هي اقبح صورة للتخاذل و التهاون و السلبية المركبة التي ليست من ديننا في شئ و هو الذي يحثنا بل يرغم علينا الجهر و الصدع بالحق و نصرة المظلوم و لو كان من غيرنا بل و لو كان من اعدائنا و على الاخذ على يد الظالم و لو كان منا: لا تجد قوما يومنون بالله و اليوم الاخر يوادون من حاد الله و رسوله و لو كانوا اباءهم او ابناءهم او اخوانهم او عشيرتهم… يايها الذين امنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله و لو على انفسكم او الوالدين و الاقربين… و هذه هي بالذات الاية الجليلة العظيمة المكتوبة على اعلى جدران قاعات جلسات محاكمنا الوضعية و لا اقول وضيعة لكن العمل بها معطل مطلقا حقا و صدقا و كأن الذي اوحى بكتابتها خلف منصة هيئة القضاء الهم العلم بانها ستكون منبوذة وراء ظهور القضاة. و قد صدقت بذلك فراسته مائة في المائة. و لنا عودة لهذا الموضوع على نحو اكثر تفصيلا و تحليلا في الاجزاء القادمة بحول الله و قوته.

لا شك ان للحديث شجونا يشد بعضها برقاب بعض و بالتالي فنافلة الكلام و خلاصته ان نعزي مناضلي حزب المصباح المنطفئ في سوس في شخصي مصابيهما المذكورين، الحي منهما و الميت، بعدما تنكر لهم الثالث و هو مهاجر ام قيس السلاوية المدعو جامع المعتصم الخائن لعهده و ميثاقه حيالهم و قد كان لهم الفضل عموما و لتعاونية نكران الخير و كفران الاحسان المارقة اللقيطة المفرطة لا ابا لها خصوصا في وصوله الى البرلمان الاستشاري كاول و اوحد نائب و ممثل للحزب فيه سنة 1998. آملين راجين من ترشيحه و مساندته سنتئذ ان يساهم في خدمة مصالحهم العامة و الرفع من مستوى تنمية منطقتهم على وفق ما سمعوه من وعود منمقة و عهود مزخرفة في ذلك المهرجان المشهود بساحة المشور و الذي خطب فيه بالذات و بفصاحة اللسان و سحر البيان و الاستشهاد بالحديث و القرآن كل من بنكيران و عبد الله بن باها و الهبا المتجمهرين حولهما حماسا دافقا ساخنا و عاطفة جياشة فياضة قل ان تعرف تيزنيت نظيرا لهما فيما قبل و ربما حتى فيما بعد و الى اليوم على الاقل.

لكن ذلك كله ذهب في مهب و ادراج الرياح و خابت منه الآمال و تبخرت الاحلام و اصبح لسان الحال و المقال عند القوم ما عبر عنه الامام الشافعي في ابياته الرائعة:

لقلع ضرس و ضرب حبس                       و نزغ نفس و رد امس

و قر برد و قود فرد                               و دبغ جلد بغير شمس

و اكل ضب و صيد دب                           و نثر حب بارض خرس (امرسال)

و نفخ نار (في انوض) و حمل عار              و بيع دار بربع فلس

وبيع خف (غمنتمزكيد) و عدم الف               و ضرب الف بحبل قلس

اهون من وقفة الحر                                يرجو نوالا بباب نحس

و من جنسها منطبقا معناه على ما سلف خاصة و على الاسلام و الديمقراطية عامة:

لقد خاب في تجره ذو ابتياع                          مهب الرياح بمجرى المياه

ولله در الشهيد الشيخ كشك الذي ضربت اطناب العز في خطاباته على مناكب الجوزاء والذي كان غالبا ما يردد قول الشاعر:

اجعل عزك كل عزك بربك يحيى ويثبت           وان انت جعلت عزك بغير ربك فان عزك ميت

والله يشهد اننا لا نريد من وراء هذا الجهاد القلمي مالا ولا جاها ولا منصبا ولا كرسيا ولا دارا ولا قصرا ولا شاة ولا بعيرا ولا ولا ولا…، الا ان نعيش في احضان هذا البلد الامين معززين مكرمين واما ان نموت واقفين منتصبين غير راكعين ولا جاثين على الركب الا لرب العالمين. واظن ان الرسالة قد وصلت الى المرسل اليهم بكل وضوح وصراحة وشجاعة. وللحديث في هذا الباب بقية.

 

اما الآن و بعد هذا التصريح الاطلالي الهامشي، نعود ادراجنا من جديد للحديث عن ظلم القوانين و فيه و بالله التوفيق و السداد: اشرنا في اوائل المقالة ان التغيير، تغيير ما بالانفس، سنة سارية من سنن الله عز وجل في خلقه، و كفى دليلا و نموذجا على ذلك اننا لو تاملنا المسالة بعمق و تدبر، لخلصنا الى ما مفاده ان الانبياء جميعا انما بعثوا بهذا الدين ليرتقوا باقوامهم الى المراقي في السعادة و الكرامة والعزة والاخلاق و الفوز العظيم بعدما كانوا ضالين تائهين اشقياء جاهلين. و رحم الله ربعي بن عامر حين وقف بهيئته الرثة امام رستم و قال: نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج الناس من الظلمات الى النور و من جور الاديان الى عدل الاسلام و من ضيق الدنيا الى سعة الاخرة. او كما قال رضي الله عنه.

ذلك و ان الحقيقة الواقعية ان المغاربة لما سمعوا بانبعاث حزب جديد يتبنى المرجعية الاسلامية استبشروا و فرحوا و سروا ظانين بحزبهم ظن الخير و املين منه (بعد الله عز وجل) تغيير احوالهم ليس الا بتغيير هذه القوانين الغازية  و استبدالها او تكييف ما كان فيه خير منها مع مقتضيات التشريع الاسلامي العادل الرفيع الضامن للانسانية جمعاء سعادة الاخرة و الاولى ان هي تمسكت بعروته و رضيت بحكمه حفاظا على ايمانها و هو مظنة نجاتها: فلا و ربك لا يومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما.

و لكن و للاسف و بعد قرابة اربع سنوات من وصول الاسلامين اولئك الى سدة السلطة، لم يكن من ذلك اي شئ بل بقيت دار لقمان في عهد بنكيران على حالها ان لم نقل انها ازدادت خرابا و انهداما و استوحاشا ووهنا اشد من وهن بيت العنكبوت.

و حيث يبدو ان الحديث عن موت باها اخذ من الوقت اكثر بكثير مما عولنا عليه قبل الاسترسال فيه من جهة و ان المحاور المحدد تناولها هي ايضا متشبعة و تحتاج الى نفس طويل و بحث عميق و تفكير دقيق و دراسة مركزة لتمحيص جميع او اغلب اطرافها بتفصيل و استدلال و بيان من جهة ثانية فان الضرورة ذات الاحكام اقتضت ان نرجئ امرها الى الجزء الموالي باذن الله و نكتفي قبل ختام هذه المقالة ببعض الاشارات فقط بخصوصها و منها:

1)علاقة بعقوبة الاعدام فالواجب ان يعلم ان هذا اللفظ، و اعظم به و ابئس من لفظ على غرار، عسى الغوير ابؤسا، من غريب و عجيب شانه انه لم يذكر في القرآن الكريم و لو مرة واحدة لا جدرا واصلا و لا فرعا و اشتقاقا بمعنى أوضح أن كلمة “عدم” لا وجود لها نهائيا في كتاب الله عز وجل من فاتحته الى الناس. وفي هذا ما فيه من الدلالات التي ليس المقام مقام التطرق اليها الا من باب مقتضى قوله صلى الله عليه و سلم: لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ان لا اله الا الله و اني رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني و النفس بالنفس و التارك لدينه المفارق للجماعة.

2) ان قانون الضرائب و نظامها على الصيغة الغربية المعمول بها و المفروضة على المسلمين في بلاد الاسلام انما تعرف في ديننا بالجزية المأخوذة او المنزوعة نزعا على وفق ضوابط الشرع من غير المسلمين مع الاشارة ان قدرها اقل بكثير مما يتحمله المتحملون ظلما و عدوانا و اقل حتى من واجب الزكاة الشرعية على الاموال و نسبتها 2.5 بالمائة فقط، و التي يعتبر مانعها مرتدا. و لذلك قاتل ابوبكر مانعيها في خلافته الراشدة و سميت حربه عليهم بحروب الردة كما هو مأثور مشهور مسطور في صفحات التاريخ.

3) بخصوص قانون الانتخابات فالمقطوع به ان لا اصل لها و لا مساغ في ديننا بالصيغة و الاسلوب المعتمدين حاليا بل الصحيح ان تكون محصورة، على غرار منهاج الشورى الشرعية، في اهل العلم و التقوى و الورع و الايمان و الصلاح او ما يسمى اصطلاحا بالخاصة الذين آراؤهم و اجتهاداتهم و اختياراتهم خير و اولى و احمد و اسلم لعامة الناس و غثائهم والدهماء من آرائهم و اختياراتهم لانفسهم.

4) علاقة بمشاركة المغرب في الحرب في اليمن –وفي غيرها- فالواجب ان تعلمه الحكومة الاسلامية العجيبة ان الظابط الفاصل فيه هو قوله عز وجل: و ان طائفتان من المومنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما، فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ الى امر الله. فان فاءت فاصلحوا بينهما بالعدل و اقسطوا ان الله يحب المقسطين. انما المومنون اخوة فاصلحوا بين اخويكم و اتقوا الله لعلكم ترحمون. فاين انت يا بنكيران و اين حزبك و اين حلفاؤك واخلاؤك و تابعوك و متبوعوك من مراسيم هذه الآيات الاصلاحيات الجليلات؟ و هل انتم كاسلاميين غايتكم في اليمن ان تفيئ الفئة التي تحاربونها في حال كونها الباغية في قناعتكم الى امر الله ام الى امر “الامم المتحدة”؟ ام ان الامر في المسالتين سواء. كيف كيف و بحال بحال و حوت حوت: و هل يليق ان تكون فتنة الناس كعذاب الله و طاعته كطاعتهم؟ مجرد سؤال للتحليل و المناقشة، و الله المستعان. و به نختم هذا الجزء سائلين الله ان يوفقنا في جميع امورنا لما يرضيه عنا و ان يرد بالمسلمين كافة اليه ردا جميلا و ان يعجل بنقمته  و عذابه و باسه على الضالمين اينما حلوا و ارتحلوا اللهم نقمتك على الظالمين –اللهم نقمتك على الظالمين- اللهم نقمتك على الظالمين اللهم عليك بهم في كل وقت و حين آمين آمين آمين و صلى الله و سلم على سيد المرسلين و الحمد لله رب العالمين و من له  ملك وغيب السموات و الارضين

 

    عبد الله ابوحميدة

patisserie