إن رجل الصحافة يحظى بمكانة اجتماعية ورمزية عالية على شاكلة رجال الصحة والعدل وغيرهم، فهو الذي يجدر به أن يصنع التغيير ويدفع بالمجتمع في طريق الرقي والتقدم، فكم هو جميل أن نصادف في ساحتنا الاعلامية رجالا صدقوا ما عاهدوا المواطن عليه من نقل آمال الناس وآلامهم، وكشف حقائق الأحداث وخبايا الوقائع، وتحليل القرارات والاختيارات، وفضح كل أشكال الفساد والاستبداد، والسعي في كل ذلك بروح مواطنة تغلّب المصلحة العامة على كل الاغراءات والمساومات وبشكل مهني أخلاقي يقترب من الموضوعية والحياد.

 إن أسوء موقف يمكن تصوره لصحافي قد يكون القرّاء يرون فيه ذلك الصحافي الناجح الصادق المهني والمشاكس، خاصة إذا كان من الطينة التي لا تتوانى عن الخوض في بعض المواضيع التي تثير الضجة والصخب الاعلاميين، ويعبث يمنة ويسرة بملفات وقضايا كبرى، هو أن يكشف فاعلو الخير فتحه لحساب مصرفي في الضفة الأخرى يسهّل على أولي نعمته إغداقه بالمال مقابل خدمة أجنداتهم، أو يضبطه جند ﻻ يعرفهم وهو متلبس بسرقة مقالات لترجمتها وتقديمها لهؤلاء القراء على أنه صاحبها ومؤلفها في أشنع صورة يمكن تخيلّها لرجال صاحبة الجلالة.

عندما تغيب المسؤولية الأخلاقية قبل القانونية ويموت الضمير، ويكون الهاجس المادي هو المحرك الأول لرجل الصحافة على حساب المصداقية والأخلاق، فإن ذلك كفيل بأن يذوب ذلك الرجل المتعاظم كما تذوب جبال الجليد التي يخالها المرء شامخة بحق، فروايات  الحسابات البنكية بالمصارف الأوربية في زمن يعجز فيه الصحافي الذي يحترم مهنته عن أداء متطلبات حياته اليومية تثير علامات الاستفهام وتستحق التمحيص خصوصا أن الصحافي النظيف يعاني الأمرّين مع صحافة الهواة الرقمية وتراجع الإقبال على المحترفين.

من جهة أخرى، ومع الحديث عن “سرقات فكرية” تزركش افتتاحيات الجرائد أصبح لزاما علينا أن نصلّي صلاة الغائب على الضمير الصحافي والمسؤولية الأخلاقية لأصحاب الأقلام التي تشاركنا قهوة الصباح. ويستقيم الآن أن نتساءل كقرّاء عن المصادر الحقيقية لكل ما سبق ونشر بإسم “السارق” أو صدر عنه من آراء ومواقف وأفكار قد تكون من أوصلته إلى أعلى قصره الذي شيّده على الرمال.

لا نملك إلا أن نتأسف على صحافيينا المغرورين الذين يظنون أن عورتهم لن تنكشف وخصوصا بهذا الشكل المشين وهم من يخالون أنفسهم أذكى من الجميع، أسفنا على ما انتهى إليه بعض صحافيينا الذين لم ينجحوا إلا في إهانتنا وهم يكتبون عن “الإهانة” وفضحنا وتشويه صورة صحافتنا وهم يطبعون “طبعتهم” عن الصحافة الورقية، أسفنا الكبير على اغتيال مبادئ الديمقراطية وتكريس الفساد والخيانة  اللذين ينخران مجتمعنا، وأسفنا على سعي رجال صاحبة الجلالة إلى مضاعفة الاستبلاد الذي تمارسه الدوائر السياسية التقليدية.

في الختام، لا يجب أن تنسينا مثل هذه الكائنات المرضية نزاهة رجال أحرار، ويلزمنا أن نحيي عاليا كل صحافي صادق نظيف يقدر مسؤولياته ويلتزم بأخلاق مهنة المتاعب، كل صحافي يجاهد نفسه في مواجهة كل الاغراءات والتهديدات ويستميت من أجل تخليق العمل الاعلامي.

patisserie