محمد أيت موح من مواليد 1956 برباط إغيل نومكون(حوالي 40 كيلومترا شمال قلعة مكونة),فاعل جمعوي و سياحي استطاع بعزيمة قل نظيرها و صبر لا يضاهى تحدي الصعاب و تحقيق ما لم يحققه من هم في وضعية أحسن من وضعيته بكثير.
في هذا البورتريه سنحاول عبر حلقات أن نقربكم من « عمي موح »,هذا الرجل العصامي الذي لم يلج المدرسة يوما و لكنه مدرسة يستفاد منها الكثير.
أيت موح الذي هاجر قريته الهادئة وراء الجبال في أحد أيام1985 و لم يعد للاستقرار بها إلا سنة 2012,يتحدث في هذه الحلقة الرابعة عن إعاقته و عما تعلمه من المأوى الشبابي الذي قضى فيه أكثر من 20 سنة بالدار البيضاء.
*المعاق هو الإنسان المنغلق على ذاته,الذي لا يفيد الناس في شيء
سألته قائلا:” عمي موح: هل ولدت بهذه الإعاقة أم أصيبت بها في فترة من حياتك؟ثم ألا تزعجك؟” سؤال بدا لي بعد  إجابته كم كنت غبيا و بليدا,حيث قال”لقد ولدت و الإعاقة في يدي اليمنى كما ترى و أصارحك القول بأنني لم أحس يوما بأي نقص,فأحرى أن أشعر بالانزعاج !

على العكس,لقد حزت بسبب إعاقتي على احترام الجميع و تقديرهم لي,لأنني و طيلة حياتي لم تمتد يدي لسؤال أحد و لم أطمع فيما ليس لي,فقد عشت معتمدا على نفسي وهذا أكبر فخر لي و لأبنائي,ثم دعني أقول لك و من خلالك للقراء بأن الإعاقة هي كوابيس نفسية ليس إلا,فلو علم المعاق ما له من قدرات لاكتشف أنه أفضل من كثير من الأسوياء,و هي كذلك(الإعاقة) ملجأ يلجأ إليه بعض الكسالى لتحقيق مكاسب غير مشروعة بأسهل الطرق كالتسول أو مشجبا لتبرير فشلهم في الحياة,يحز في نفسي أن أرى شبابا في المحطات الطرقية و الشوارع عوض تعليم حرفة تقيهم ذل التسول و شر الفاقة تجدهم يستغلون إعاقتهم لكسب شفقة و تعاطف الناس و هذا ما لا أرضاه لنفسي,فالإعاقة لم تمنعني يوما من العمل حتى في الأعمال الشاقة كالحرث و البناء,لذلك فأنا أقصد الذين تمنعهم إعاقتهم من الاعتماد على النفس أما غيرهم “فالله إحسن العون”,ثم دعني أسألك:ما فائدة سوي لا يفيد الناس في شيء,لا يقدم أي مساعدة لغيره؟
أنا لا أنتظر منك جوابا,بل هدفي هو أن تصلك فكرتي التي مفادها,أن المعاق هو ذلك الإنسان المنغلق على نفسه,ذلك الإنسان الأناني الذي لا يستفيد منه الآخرون و لو كلمة طيبة,ذاك هو المعاق الحقيقي في نظري و لو كان سويا جسديا و عقليا”.
*مأوى الشباب مدرستي التي تعلمت فيها الكثير

هل سبق أن شاركت في تكوينات؟و هل تتوفر على دبلومات.سألته,فرد علي:”صحيح أنني لا أتوفر على دبلومات و لم يسبق لي أن شاركت في أي تكوين,و لكنني أعتبر ال20 سنة التي قضيتها في أحضان مأوى الشباب بالدار البيضاء أكبر تكوين مررت به في حياتي,إنه المدرسة التي تعلمت فيها الكثير,ففيه تربيت على احترام الاختلاف و حب الناس على اختلاف ألوانهم و لغاتهم و دياناتهم و معتقداتهم و أعراقهم,إذ من مباديء مأوي الشباب منذ تأسيسها من طرف المعلم ريتشارد شيرمان حسن معاملة الناس بلا تمييز لسبب من الأسباب أو لعنصر من العناصر السالفة الذكر,مما يجعل كل الاختلافات تذوب في هذه المدرسة العتيدة,و من أهدافها تحقيق التبادل الثقافي و التسامح الديني و التعايش بين الشعوب و الثقافات و اللغات المختلفة.
لكم أتمنى لو كان العالم عبارة عن مأوى شبابي كبير,تسود فيه المساواة و المحبة و روح الجماعة و التضامن و تنعدم فيه الكراهية و الأحقاد و الضغائن,عالم ليس فيه فرق بين اليهودي و المسلم و المسيحي و البودي…و لا بين متحدث بهذه اللغة أو تلك,إنها أغلى و أغنى الدروس التي علمنيها مأوى الشباب,و إنني لأستغرب ممن يرفض الآخر و يسعى لمحوه من الوجود لا لشيء سوى لأنه مختلف عنه دينيا ! 

إن التجربة التي اكتسبتها من مأوى الشباب أعتبرها مهمة جدا لأنها فتحت عقلي على ثقافات و لغات و شعوب أخرى من كل بقاع العالم و أعيد و أكرر علمتني احترام الاختلاف بكل تجلياته و هذا أكبر دبلوم في حياتي لا يتوفر ربما حتى للذين مروا من الجامعات و المعاهد العليا.”

patisserie