“هذا بكلّ تأكيد يملك القدرة على أن يكون غودزيلا نينو” عبارة نقلتها صحيفة “لوس أنجليس تايمز” منذ ثلاثة أيّام عن بيل باتزرت عالم المناخ في مختبر الوكالة الاميركية للفضاء “الناسا” للدفع النفّاث.

النينو أو العبارة الكاملة باللغة الانكليزيّة el nino southern oscillation، هي ظاهرة تتميّز بارتفاع غير اعتيادي ولفترة طويلة، في درجة حرارة المياه في المنطقة الاستوائيّة من المحيط الهادئ وخصوصاً في الجهة الوسطى والشرقيّة منه.

أطلق صيّادو الاسماك في البيرو اسم ” أل نينو” (El Niño) والذي يعني بالاسبانيّة الطفل حين لاحظوا مطوّلاً تأثيرات هذه الظاهرة قبيل عيد الميلاد، حيث تتميّز المناطق التي يخيّم عليها النينو بانخفاض واضح في أعداد الاسماك بحسب موقع وكالة “نوا” الاميركية المتخصّصة بدراسة تذبذب المحيطات والغلاف الجوّي. وتقابلها لا نينا La Niña (الطفلة) التي تشير الى انخفاض في درجة حرارة المياه في تلك المنطقة من الهادئ عن معدّلها العام.

وأضاف باتزرت أنّ العالم الى الآن يشهد نينو أقوى من ذاك الذي ساد في المحيط الهادئ سنتي 1997 و 1998 والذي اعتبر الاقوى منذ بدء العمل بتسجيل تلك الظاهرة. ولعلّ تذكيراً سريعاً بما حصل حينها يفيد في التقاط مؤشّرات عن قوّة تأثيرات النينو على مستوى الكوكب ككل.

في تلك السنتين، سيطرت الاحوال الجوّية المتطرّفة في مناطق كثيرة من العالم: حرائق هائلة فيأستراليا التي ضربها الجفاف بالاضافة الى الفلبين و أندونيسياوالمناطق المجاورة. وعلى العكس، فقد ضربت الشيلي فيضانات قويّة وكذلك الامر بالنسبة لولاية كاليفورنيا التي خسرت أكثر من سبعة عشر مواطناً وحوالي نصف مليار دولار بسبب الكوارث الطبيعيّة.

أمّا المناطق الجنوبيّة الأخرى من أمريكا فشهدت أحوالاً جوّية مماثلة حيث حوّلت إليها هذه الظاهرة كميات مهمّة من الامطار التي كانت تتلقّاها المكسيك ودول  أمريكا الوسطى بحسب “لوس انجيليس تايمس”. هذا في وقت خسر فيه أكثر من 23000 إنسان حياتهم حول العالم، كما خسر الاقتصاد 45 مليار دولار بسبب الظروف المناخيّة. وتأثّرت سلباً أسعار سلع ومنتجات غذائيّة عدّة في جميع القارات من بينها البنّ، كما تعطّلت الملاحة البحريّة وخصوصاً في قناة بنما.

أمّا ثاني أقوى نينو فشهده العالم سنتي 1982و1983 وكانت النتائج مشابهة بحسب الباحث في المناخ دان كيان.

وبالنسبة للوضع حاليّاً، فإنّ الجزء الغربي من المحيط الهادئ شهد حتى الآن خمسة أعاصير عملاقة مقابل إعصار عادي واحد بالنسبة لهذه الفترة من كل سنة. وشهدت بريطانيا و أوروبا الشماليّة مواسم شتاء قاسية بحسب السجلات التي توردها صحيفة “التيليغراف” البريطانيّة.

بينما تذكّر نظيرتها “الدايلي مايل” بأنّ هذه الظاهرة عام 2010 اقترنت مع أبرد شتاء في المملكة المتحدة منذ 120 سنة. كما نقلت عن دوائر أرصاد أوستراليّة ويابانيّة تأكيدات بأنّ النينو انطلق وسيستمرّ أقلّه حتى أواخر هذه السنة. مركز التوقّع المناخي التابع لوكالة “نوا” الذي أطلق، بشكل غير رسميّ بعد، إسم “بروس لي” على النينو الحالي، شدّد على أنّ هناك احتمالاً بنسبة 85% بأن تستمرّ هذه الظاهرة حتى أوائل الربيع من العام المقبل.

ويكفي أن تسجّل حرارة المياه زيادة بنصف درجة مئويّة في تلك المنطقة من المحيط الهادئ، كي يتحدّث العلماء عن هذه الظاهرة. لكنّ درجة حرارة مياه المحيط الهادئ قبالة سواحل البيرو سجلت حتى 5 آب الحالي ارتفاعاً ب 1.8 درجات مئوية عن المعدّل العام في حين سجّلت في نفس الفترة من سنة 1997 حوالي 1.7 درجات مئويّة أعلى من المستوى الطبيعي.

أمّا بالنسبة لدول الحوض الشرقي للبحر الابيض المتوسّط، فتشير سجلات النظام الاميركي للتوقّع العام للاحوال الجوية إلى اقتران سنوات النينو بمواسم شتاء مطيرة في حالات كثيرة كما حصل سنوات 82-83 ، 91-92 ، 97-98. ويعطي هذا الاقتران فكرة إجماليّة عامّة لا نتائج حتميّة مطلقة إذ أنّ الحتميّة مستبعدة في علم الارصاد الجوية خصوصاً بالنسبة للدراسات البعيدة المدى.

فعلماء المناخ يركّزون على معايير متنوّعة أخرى لإمكانيّة إعطاء تفاصيل أقرب الى الدقّة عن موسم الشتاء المتوقّع. وهذا ما يؤكّده باتزرت حين يشدّد على ضرورة أخذ معطيات أخرى بالاعتبار. وحتى في موضوع النينو، هو لا ينفي احتمال ضعف هذه الظاهرة إذا شهدت حركة الرياح التجارية بين المدارين تغييراً مفاجئاً، حتى ولو أنّه في نفس الوقت، يعتبر أنّ هكذا احتمال ذو فرص ضعيفة كي يتحقّق.

patisserie