الحمد لله رب العالمين القائل: :”ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده، كلا لينبذن في الحطمة ” … وهي دركة من دركات جهنم نعوذ بالله من نارها ومن كل سبل النفس والهوى والدنيا والشيطان المودية إليها وما أكثرها وعلى رأسها الشرك (و هو أخفى من ذبيب النمل) والنفاق والكفر الذي بريده المعاصي والذنوب والكبائر. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد الذي بفضل رسالة الإسلام التي بعث بها ختاما لرسالات ربه وتتميما وتكميلا لنعمته ودينه على عباده، استطاع أن يضع لمشاكل ومآسي مجتمعه حلولا حقيقية سامية رائعة شريفة ونبيلة لو عُمِل بمقتضياتها في زماننا هذا لتنفست الإنسانية جمعاء من نورها الوهاج وعبيرها الطيب صعداء السعادة والطمأنينة والإستقرار والخير والرحمة المرجوة التي حرمتها إياها شياطين الإنس والجن وأعوانهم، بعدما ضلت وتاهت وتنكبت سبيل الله وتقطعت بها الأسباب في غياهب الظلمات ودياجير الأباطيل ومدلهمات الفتن والمحن بالرغم مما وصلت إليه من مستويات عالية جدا في شتى المجالات والميادين العلمية والتقنية والإقتصادية والعمرانية والإعلامية وغيرها من عالم الماديات المحسوسات التي فيها آثام كبيرة ومنافع كثيرة للناس حسب توظيفها والوعي بحقائقها وماهياتها ومقاصدها والغايات الحميدة منها والذميمة .

أما بعـــــــد،

         فإن المتتبع المتيقظ لمسار حزب العدالة والتنمية ( على وزن التعمية) في تيزنيت خاصة ووطنيا على وجه العموم سيرى انطلاقا من لسان حاله وهو أبلغ وأنطق من مقاله أنه تقهقر وانتكس انتكاسة بئيسة حقيرة تسقط الدمع من أست الكلب كما في المثل الجراري وذلك من فرط ما يحتاجه من شفقة وعزاء لو كان أهله يعلمون ويفهمون ويعقلون.

       ذلك فبعد تألق ذلك الحزب “الإسلامي” في عهوده الأولى إلى أعلى المراقي وأصعبها لمجرد إعلانه الرسمي عن تبنيه للمرجعية الإسلامية كمطية ذلول مريحة وبأسلوب مكري كيدي ما انفك يفتضح شيئا فشيئا رويدا رويدا، وبعدما كان كبراء وكوادر مناضليه قدوات وأعلاما للناس ( وما أدراك ما الناس) على شاكلة قول الخنساء في أخيها صخر :

            ” وإن صخــرا لَتَأْتَـمُّ الهــداة بــــــه     ۞    ۞     كأنـــــه عَلَـــمٌ في رأســه نـــــار

         ها هو اليوم يشهد ويتلقى الهزائم والإنتكاسات والمفضحات الواحدة تلو الأخرى والتي لو أراد مريد أن يستقرئها لما كفاه كتاب من عشرات الصفحات بل مئاتها.

 علاقة بالموضوع فقد روى الإمام البُخاري في صحيحه حديثا جميلا جامعا شافيا وكافيا يجدر بنا أن نتخذه أرضية طيبة وخصبة نؤسس عليها هذه الرسالة المتواضعة لعل القوم يدركون خطورة ما أوقعوا فيه أنفسهم بتجرئهم الأرعن العابث على حرمات الله عز وجل وظلمهم للناس بالكذب عليهم على حساب دينه الذي لا مجال فيه للعب والعبث والمساومات والمزايدات.

        الحديث المراد الإستدلال به يقول: إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور متشابهات (مترددة بين الحل والحرمة) لا يعلمهن كثير من الناس (الدهماء)، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه (مع ربه محافظة عليه من النقص والتلويث ) ولِعِرْضِهِ (فيما بينه وبين الناس اتقاء للعيب والثلب) ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي (أمكسا) يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيها. ألا وأن لكل ملك حمى ألا وأن حمى الله محارمه ألا وأن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب، الذي عليه الإعتماد بعد الله عز وجل القائل فيه على لسان سيدنا إبراهيم :” يوم لا ينفع مال ولا بنون” ( ولا جاه ولا حسب ولا نسب ولا حزب) إلا من أتى الله بقلب سليم … فإن لم تكن هذه فالأخرى تلقائيا ودليلها :” يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ” ..

         ويستفاد من الحديث بالنسبة لوضعية مناضلي حزب المصباح على اختلاف مستوياتهم في المسؤولية أمام الله أنهم، يا ليتهم وقعوا في الشبهات فنلتمس لهم العذر، بل هم منغمسون بكياناتهم كلها فيما هو أشد حرمة ونكارة من الخنزير والخمر والربا والزنا ألا وهو التحزب والتشيع الحالق للدين بحيث أن تلك المحرمات ضررها يكون ذاتيا ملازما لفاعله المتحمل لوزره، أما التحزب بالشكل المشهود فيتعدى ضرره فتدوي له الآفاق وترتج له الأرجاء  ليشمل الأمة كلها حكاما ومحكومين، فاعلون ومفعول لأجلهم، وهذا لا ينكره من له مثقال مسكة من عقل وضمير. من ناحية أخرى، فحتى لو كان موقفهم موقف شبهة فقد يعذر في ذلك عامة الناس دون الخاصة، أما هم كحزب وطني يضم علماء (الزمزمي واضرابه) ومفكرين ومثقفين ومشرعين ومقننين فلا يحق لهم بحال إتيان المشتبه حتى يعلم حله من باب القاعدة : اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة أو هامشا احترازيا من الحلال: يعني قبل السقوط في المشتبه الذي لا تعلمه عامة الناس المتواجدة تحت حكمهم أو مسؤوليتهم وإمرتهم.

هذه الأولى أما الثانية فإذا كانت العناوين أنساب المضامين وحيث أن عنوان الرسالة يوحي بتناول أمر غيبي واقع في الآخرة فقد يتساءل متسائل أو يتوهم متوهم : ما أدرى القائل لهذا بتلك الأمور التي لا يعلمها إلا الله ؟ فالجواب بعد الإشارة إلى أن الضمير يرجع بداهة إلى حزب العدالة (على وزن جهالة) والتنمية كما يلي على سبيل الإختصار على وفق قول الشاعر:

                   فينــبــغي اقتصـار ذي الإخبـــــــار     ۞    ۞      علـى المفــيد خشيــة الإكثـــــــار

                    وليــس كبير فائــدة تفصـــيـــــــل                 وبسـط جمــيع الأدوات في الأحــزاب

1 )- إن آجال الناس ومصائرهم وما تكنه صدورهم بين أضلاعهم لا يعلمه حقيقة ويقينا إلا الله سبحانه وتعالى إلا أن هذا لا يعني بتاتا أن نترك الأمر ونسكت عن الموعظة والتخويف والتذكير الذي هو غايتنا بل هو مقتضى وظيفة الأنبياء أنفسهم وخاتمهم وإمامهم محمد صلى الله عليه وسلم المخاطب بقوله عزت قدرته : “فذكر إنما (حصرا وقصرا) أنت مذكر … فذكر بالقرآن من يخاف وعيد” … وجاهدهم به (أي بالقرآن ذي الدليل والحجة والبرهان) جهادا كبيرا … قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون”…  ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا…

وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا، قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون … وما نرسل بالآيات إلا تخويفا “…

2)- أن الإسلام كدين رباني لا يليق به أن يجتمع في قلب مسلم مع الديموقراطية التي هي كما أسلفنا الذكر في الرسائل السالفة دين وضعي بامتياز وبالتالي فمن كان حاله كذلك فليعلم أنه لا يعدو أن يكون على شاكلة:

      لــنا صاحـب لا ينــــبغـي أن نخــونـــه   ۞    ۞   وأنت لأخرى (أي الديمقراطية) صاحب وخليل

إما هذا وإما ذاك .

3)- إن من روائع بل من معجزات القرآن الكريم البيانية والبلاغية أن يربط السبب بالمسبب والعلة بالمعلول بشكل ميسر مبسط يفهمه كل من له أدنى رغبة في فهم معانيه بلا تكلف ولا تفلسف مصداقا لقوله :” ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر”. وبالتالي فإن الله سبحانه وتعالى رتب استحقاق الحطمة على ما قبلها وهي صفات الهمز واللمز وجمع المال وما يجري مجراه بشتى الطرق  وكأن الجامع (المعتصم وحزبه) سيخلد في الأرض، وهذه صفات وعناصر موجودة وجدانيا محققا في الأحزاب السياسية في البلاد إلى درجة أن البرلمان أصبح في عهد هؤلاء الإسلاميين مسرحا للسب والشتم والتنابز والتهامز بالإلقاب، ناهيك عن التصريحات في وسائل الإعلام وغيرها، ولعل ما يجري بهذا الصدد بين شباط وبنكيران أكبر شاهد على هذا وقس على ذلك جميع الأحزاب التي فاق عددها الثلاثين، كل حزب بما لديهم فرحون وعلى أقرانهم متسلطون بالألسنة والإتهامات المتبادلة كما بين الأعداء الألداء بل أكثر. وكل ذلك من قبيل :

ألا لا يجـــهل أحــد علينــــــــا     ۞    ۞     فـنجـهــل فـوق جهل الجاهلــين

وهذا بالذات ما يبرر القول بأن الإستدلال بالآيات من سورة الهمزة في محله وموافق للصواب إن شاء الله، وإلا فموعدنا يوم يقوم الإشهاد لرب العالمين لتجادل كل نفس عن نفسها ولا يفصلنا عن ذلك سوى الموت الذي هو سنة كونية من أعدل وآكَدِ سنن الله في عباده : “إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون “

مـــات المُدَاوِي والمُــدَاوَى والـــــذي      ۞    ۞         جـــلب الدواء وباعــه ومن اشـــترى

وإن سلــــمت فلا أبـــقى ولـــــــــكــن      ۞     ۞        سلمت من الحِمَامِ (الموت) إلى الحِمَام

الحقيقة أن الكلام والحديث في أمر حزب العدالة والتنمية بتيزنيت خاصة وبالمغرب عامة طويل الذيل عريض الأطراف عالي الكعب من حيث الوجهة السياسية والشرعية، نكتفي في هذه الرسالة التي صادفت فترة الحملة الإنتخابية لنؤكد في الختام أن من كان حاله كما تضمنته الرسائل السالفة فليس له دواء سوى، كما قال الشاعر المخضرم :” أكل العصيدة أو بوفي” ، نسأل الله العلي القدير أن يوتيه رشده ويرد به إليه ردا جميلا بعد الإعتراف بذنبه الكبير وخطيئته العظمى وجرمه المشين متجسدا في تبنيه للمرجعية الإسلامية بغير وجه حق ودون أن يرعاها حق رعايتها ويقدرها حق قدرها، وأن يلهمه الإعتذار إلى المغاربة الذين لن يصلح حالهم إلا بالرجوع إلى الإسلام الحق المبين وإلى مكارم الأخلاق التي ورثوها عن أسلافهم المنعمين:

ورثــوا المكــارم كابــــرا عن كـــابر    ۞     ۞       إن الخــــــــيار هــــم بنـــــو الخيــــــار

أقول ما تقرأون وأستغفر الله لي ولسائر المسلمين وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والحمد لله رب العالمين

                                       عبد الله أبو حميدة

patisserie