إن كنت ممن يريد السيطرة على قلب حبيب، إيجاد زوج، النجاح في دراسة أوعمل، إنجاب طفل، أوعلاج مرض، ما عليك سوى التوجه إلى “الشوافة”، بشرط أن تكون صاحب تفكير ساذج ووعي غائب.

“الشوافة “أو العرافة هي امرأة أو رجل يدعيان امتلاك قدرات مختلفة عن الأخرين وعلى رأسها إمكانية قراءة المستقبل في الحاضر، أخذت موعدا مع إحداهن ولكن ليس كزبونة بل كمستفسرة حول الظاهرة.

في أحد الأحياء القديمة بالعاصمة يتواجد منزل الحاجة “فتيحة”، لن يسمح لك بالدخول دون موعد مسبق باستثناء الحالات الخاصة والمستعجلة.

توجهت صوب المنزل محضرة مجموعة من الأسئلة والاستفسارات التي لطالما شغلتني حول الظاهرة.

الساعة تشير إلى الثانية زوالا، استقبلتني في مدخل البيت أخت “الشوافة” المدعوة فاطمة والتي تعتبر في نفس الوقت السكرتيرة المكلفة بترتيب المواعيد واستقبال الزبائن، المنزل يكتسي طابعا تقليديا، رافقتني فاطمة إلى صالون كبير شبيه بغرفة الانتظار في عيادة طبية، وهناك تجلس مجموعة من النسوة و الفتيات اللواتي لا يتجاوز عددهن الستة، وراء كل واحدة منهن قصة أو سبب أتى بها إلى”الحاجة فتيحة”.

الصمت يعم المكان ونادرا ما يكسره صوت الحوارات الثنائية بين النسوة، حاولت الاقتراب من إحداهن لأخذ فكرة عن السبب الذي قد يأتي بامرأة إلى “الشوافة”، تبين لي من خلال هيئتها بأنها تنتمي إلى طبقة اجتماعية جيدة كما اكتشفت فيما بعد من حديثها أنها على مستوى ثقافي حسن، “حنان” تشغل منصب مديرة فى إحدى المؤسسات التعليمية أخبرتني بعد حديث مطول أنها تتوافد باستمرار على”الشوافة” ويرجع سبب قدومها إلى رغبتها في الإنجاب بعدما تبث لها طبيا غياب أي مانع، وأثناء حديثنا لفت انتباهي خروج شاب في مقتبل العمر، ذو هندام جميل و هيئة محترمة من غرفة “الشوافة” التفت يمينا و شمالا ووضع “حجابات” في جيب سترته ثم غادر المكان، دفعني فضولي الى الذهاب لسؤال “أخت الشوافة”عن الشاب لكنها لم تفدني بأية معلومة بدعوى احترام خصوصية الزبناء.

مرت ثانيتين، دقيقتين، ثم ساعتين إلى أن حانت لحظة مثولي أمام “الحاجة فتيحة”، عندما دخلت إلى الغرفة أحسست بأني في عالم غريب وغير مألوف، مابين الحقيقة والسراب، الواقع والخيال، الغرفة تنيرها شموع طويلة ذات ألوان مختلفة وجدران خضراء، وخلف دخان البخور المتصاعد من”المجمر” ترى الحاجة فتيحة جالسة على زريبة من جلد إحدى الحيوانات ومحاطة بسلة بيض وأعشاب مختلفة وأوراق”الكارتة”ومجموعة من الجرائد، طلبت مني إلقاء التحية على أصحاب المكان على حد قولها “التسليم”، اقتربت وجلست أمامها ثم بدأت بطرح مجموعة من الأسئلة بشكل متسلسل وسريع : من هي الحاجة فتيحة؟ وكيف دخلت إلى عالم الشعوذة والسحر وما نوعية زبنائها؟ وكيف تقوم بعملها؟ وغيرها من الأسئلة التي تتضمن المحرجة والمستفزة والتي لم تعترض على أي منها مؤكدة بأنها مؤمنة بعملها مادامت تسخر قدراتها لتقدم خدمات عديدة لمساعدة الناس؟..”هادشي اللي تندير ماشي شعوذة” تقول الحاجة فتيحة بكل ثقة نافية أن تكون قد آذت يوما أحدا من خلال أعمالها، “تتجي عندي مرا مخاصمة مع راجلها وتنصالحهم/ وتتجي عندي المرا اللي مديور ليها الثقاف والعكوس على الزواج وتنفكو ليها/ وتتجي عندي المرا اللي مديور ليها السحر باش ما تولدش وتنعاونها” تقول الحاجة وهي تجرد الأعمال التي تقوم بها مشيرة إلى أنها لم تقم يوما بعمل للتفريق بين الأزواج مثلا أو لإثارة نار الفتنة بين الأقارب “شوافة عندها ضمير” هذا هو اللقب الذي تحبذ بعض الزبائن إطلاقه على هذه الحاجة، أغلب زبائن الحاجة فتيحة نساء، ما يعني أن نسبة من زوارها رجال “شحال هاذي ما كانوش تيجيو عندي الرجال ولكن مؤخرا ولاو تيجيو”، قبل أن تضيف قائلة: “فالحقيقة التعامل مع الرجال احسن من التعامل مع شي عيالات، حيتاش هوما ما كيتشطرو ماكيدخلوا فشغلي”

تحرص الحاجة فتيحة على إعطاء مواعيد مختلفة للنساء وللرجال، تلافيا للإحراج الذي قد يتعرض له رجل في حال التقى بامرأة والعكس.

أما بالنسبة  لطرق وأدوات عملها فزادت “الحاجة” قائلة: “أنا أقرا الطالع في الكارتة و البيض و الكف و التسبيح و المجمر والجرائد كما أقوم بعمل الحجابات و الطلاسم للقبول والمحبة والنجاح وغيرها وذلك حسب نوعية الزبون وطلبه وماله.

تعمل الحاجة فتيحة طوال أيام الأسبوع باستثناء يوم الجمعة، (نهار الجمعة كنزور السادات والأضرحة)، كما أن حركة العمل حسب قولها تكون نشيطة في فصل الصيف وفي الأعياد والمناسبات وخاصة عيد الأضحى ومناسبة عاشوراء وليلة القدر في رمضان.

وأخيرا أكدت الحاجة بأن السحر درجات وهي تحتل الدرجة الأولى لأنها لا تؤذي أحدا بل العكس، كما أضافت بان الفقر و عدم قدرة مطلقة و أم لبنتين على تلبية متطلبات العيش هو سبب دخولها إلى هذا العالم و احتراف هذه المهنة التي تحولت من هواية إلى مصدر عيش.

                                                                                لبنى أبروك

patisserie