لعل التمحيص في أزمة العمل السياسي العام والحزبي منه بخاصة في بلادنا من أكثر المسائل صعوبة وعسرا، من حيث كونها أزمة ذات أبعاد متداخلة و مستويات مركبة. تتداخل فيها فعاليات متشابكة و تتكثف من خلالها أعطاب المجتمع و تتمظهر فيها معظم أزمات الدولة بعامة-الخصاص في الديمقراطية، ضعف الفعالية، شح في الشرعية، محدودية في القدرة الانجازية، التردد في مباشرة الاصلاح، مراوحة المكان فيما يتعلق بدينامية الانتقال الديمقراطي-. فالعوامل الموضوعية والذاتية السياسية والفكرية والتنظيمية المتكونة حديثا أو الآخذة في التكون، قد فعلت فعلها في تعميق عناصر الازمة، وزادت من تحكم حالة الإحباط والتورم وإدامة واقع التشرذم المستشري في مجموع الحركة السياسية.

عمق وشمول الازمة، تتطلب نقدا ذاتيا

إن أياً منا لا ينكر دور هذه العوامل الواقعية الجديدة التي أصابت الحالة النفسية للمواطن في الصميم، سواء أكان مثقفاً أم مسيساً أم مواطناً عاديا خارج دائرة العمل الفكري والسياسي، والمسألة ليست محصورة في جزء من تكوين الحياة الحزبية والحركة السياسية ، بل أكبر من ذلك، فهي من ناحية أولى أزمة شاملة تطاول جميع الأحزاب السياسية على اختلاف انتماءاتها الإيديولوجية وأحجامها و تاريخها السياسي ومشاريعها المجتمعية. ومن ناحية ثانية هي أزمة تتصف بالعمق، إذ تطاول الأبعاد كافة للحزب السياسي أو المؤسسة السياسية الواحدة : البعد الفكري و السياسي و التنظيمي.

إن أزمة بمثل هذا الاتساع و العمق، لا يمكن معالجتها من دون فتح حوار جدي، شامل وواسع، لمقاربتها من جوانب عديدة و بزوايا نظر مختلفة . من هنا تنبع ضرورة قيام الأحزاب السياسية بمراجعة نقدية واعية لمناهجها و أساليب عملها المختلفة، وليس هناك من بديل للوعي النقدي، لتحرير المؤسسات السياسية من عنق الزجاجة الذي مازال يضيق عليها الخناق . هذا الوعي النقدي يبقي هو مدخل الأحزاب إلى التحديث السياسي، و إلى قيامها بدور فاعل في الاصلاح السياسي للبلد، خصوصا إذا كنا مقتنعين بأهمية دور الأحزاب كمؤسسات تعمل على تنشيط الحركة السياسية و الثقافية في المجتمع.

ما يحصل اليوم في واقعنا-من تعطيل وإبطاء وتأجيل للاصلاح والانتقال- ليس حتميا، ومن الممكن خلق ظروف و أوضاع أكثر توازنا ، بحيث تستطيع مجموع الحركة السياسية تمرير مرحلة الانتقال الديمقراطي، بأقل خسائر ممكنة ، وهذا يقتضي قيام الأحزاب السياسية-كل الاحزاب- بمراجعة نقدية سليمة و متأنية.

هذه المراجعة تفرض علينا كمنطلق احترام التجارب النضالية السابقة، وتثمين ما هو إيجابي فيها، إذ لا يمكن اليوم أن نبدأ من جديد، لأننا بداهة لسنا في نقطة الصفر.

كي نجدد بشكل معقول وصحي، علينا أن نعيد قراءة تجربتنا الماضية بعين واسعة تلتقط الإيجابيات و السلبيات معا، أي يجب على القوى السياسية الاصلاحية أن تبدأ عملها من حيث انتهت التجارب السابقة، لا أن تعيد إنتاج ذات التجارب السياسية عينها، وهنا أشير بالضبط إلى تجربة التناوب التوافقي، وبالتالي عليها إعـادة البناء والتأسيس انطلاقاً من معرفة أسباب إخفاق تلك التجارب.

صحيح كما يقول البعض أننا لا نستطيع أن نفعل شيئاً اليوم، أو أن نؤثر في ما يجري على أرض الواقع الذي لا يقدم سوى الإحباط و المصاعب، سواء أقمنا تغييرات أم لم نقم ، لكن الصحيح أيضاً هو ضرورة القيام بعملية إعادة تأسيس متأنية للمستقبل.

إن مشروع الاصلاح السياسي لحزب العدالة والتنمية الفاعل و الناضج، سوف يبقي هدفاً ( إضافة لكونه وسيلة من وسائل النهوض بالمجتمع)، لأننا لم نرق –كبلد -حتى اليوم إلى فهم دينامية العملية الاصلاحية وقدرتها على التحويل الديمقراطي للدولة والانهاض التنموي للمجتمع بشكل صحيح، كما لم نتقن أيضاً الممارسة الراقية للسياسة باعتبارها فعلا عموميا للبدائل المتناوب حولها ديمقراطيا.

الحاجة الى اعادة التاسيس

إن إعادة التأسيس هذه ليست هدفاً مثاليا، كما يتخيل البعض، فالديمقراطيين ليسوا مثاليين بسبب الهدف الذي يضعونه أمامهم، ولكن بسبب الوسائل غير الفاعلة وغير الملائمة لتحريك الواقع السياسي في اتجاه بناء دولة المواطنة العادلة ولتحقيق الانتقال الديمقراطي وإنجاح التجربة الاصلاحية التي بأيديهم، والتحقق من غاية الغايات وهي إقرار سياسات عمومية تحقق العدالة الاجتماعية لعموم شعبنا.

النقطة الأولى في القراءة النقدية، تقتضي الامساك بشروط السياق المجتمعي الخاص وبمرتكزات العمل الديمقراطي للأحزاب السياسية في دولة تعيش على ايقاع الانتقال الديمقراطي،عبر دراسة الواقع السياسي دراسة متأنية، إذ لا يمكن صياغة نظرية للاصلاح السياسي العام من دون الوعي بأبعاد الواقع السياسي الاقتصادي الذي نعمل فيه، خصوصاً أن الأحزاب على اختلاف انتماءاتها الإيديولوجية، كانت تستجيب للمفاهيم المجردة أو المأخوذة من صياغات الآخرين، وتهمل البحث في مجتمعاتها نفسها أساسا، واستخلاص المفاهيم من تجاربها و تاريخها، وهذا أحد أهم أسباب انعزال هذه الأحزاب عن الحركة و التغيير العميق في المجتمـع.

أما النقطة الثانية فتتعلق بضرورة وعي الجدل القائم بين المنهج والإيديولوجيا و السياسة .بين المشروع والاداة بين المضمون الفكري والشكل الديمقراطي. فالمنهج المطلوب في إطار العمل السياسي و الحزبي هو منهج النضال الصبور والتجاوز والتخطي الدائمين، لكن من دون أن نترك احباطات الواقع المتكررة تلغي الأهداف و المبادئ وتنسف الغايات والمنطلقات .

الفكر السياسي الاصلاحي مازال إلى اليوم أسير ردود الفعل والمحبوسا في نطاق النزعة التجريبية والواقعية العملية التي تبعده عن الامساك بخيط المشروع الاصلاحي العام، فنراه مرتبطا بالإيقاع المباشر و الحسي للواقع، مستجيبا للتغيرات اليومية بشكل سلبي، داعيا ما يصل إليه من نتائج و تصورات على أنه تجديد و بالتالي هو بات يفتقد للرؤية التاريخية في قراءته لحركة الواقع وبناء التصورات المستقبلية.

إن التجديد والتغيير مطلوب دائما في المنهج والاسلوب والمضمون ولاروح، لكن لابد أن يكون هادئا وواعيا، فالتجديد لا يعني النسف و النقض، التجديد يعني منهج التجاوز و الهضم، فالجديد ينمو ويتصارع مع القديم . والجديد يحتوي في رحمه القديم بشكل ما. بهذا الفهم نحرص ألا يقع التجديد في فخ الانتهازية في الفكر و الممارسة، أو في إطار المراهقة السياسية.

إن طبيعية المرحلة الانتقالية الجارية في بلدنا، بما فيها من تراجع و انكسار، أو تقدم محسوب ومراقب وحذر، دفعت بنا إلى تبني آراء مترددة وغير متزنة حتى نتخيل أن الأهداف التي رسمناها لأنفسنا قد أثبتت عدم جديتها وصلاحيتها، وبالتالي فهي بحاجة لتغيير وتبديل، ناسين أو متناسين أحيانا أن المرحلة هي مرحلة تسبح في سياق تراجع ديمقراطي عام تعيشه المنطقة برمتها بعد موجة الخريف العربي،… وأن الكثير من أطروحات الفعل السياسي المعروضة في الساحة الفكرية بهذه الصورة إنما تأتي في سياق التراجع لا في سياق التقدم و التطور .

نقد النزعة الميكيافيلية

هنا يجب أن نلاحظ إن أهم المشكلات التي تعانيها النخب الفكرية والقوى السياسية الاصلاحية (المفترض أن تكون في ظل الأزمات أكثر وعيا) أنها تنحط إلى نسق ممارسة مكيافيلية، و فكرها يندرج في إطار التقدير الاختزالي للواقع والفهم التبسيطي المباشر للعمل العام، بدلا من أن تكون رافعة متينة له مبادرة لطرح مفاهيم واطروحات متجاوزة له .

نقول ذلك عندما نعلم أن كثيراً من العاملين في حقل السياسة و المجتمع وصلوا إلى حد التشكيك بالأهداف النبيلة للحركة الاصلاحية الحالية وللمناهج التغييرية التي تلهما، من دون الانتباه إلى أن الافكار الاصلاحية و الأهداف النهضوية لا تموت بالسكتة القلبية مرة واحدة، وإنما تتواصل محاولاتها ولو بالتنفس الصناعي في طلب البقاء، أو عندما نعلم أن البعض أصبحوا يراجعون تجارب أحزابهم بشكل فردي من دون التعاون مع الآخرين، وربما كانوا بمراكز قيادية بأحزابهم.

زيف الوعي الايديلوجي

في الجانب المقابل، و هو الأخطر، هناك القسم الأكبر الرافض لأي تجديد أو تغيير، و الذي يشكل عقبة حقيقية أمام أي خطوة متقدمة على صعيد تطوير الممارسة السياسية في اتجاه تمنيعها وحمايتها من الانحطاط والانهيار على صعيد الفكر و الواقع .

لم يتخلص الفكر السياسي للنخب الحزبية بعامة من سطوة الحالة الدوغمائية حتى في سياق المراجعة الجارية اليوم للتجارب السابقة من قبل كثير من رموزه، وهو يقع بنفس المآزق و المطبات ، لا يزال يسير بعقلية حدية ، فكثيرون ممن كانوا أشد حماسة لقضية الاصلاح السياسي أصبحوا اليوم على النقيض من ذلك تماماً.

إن كل منهج فكري وتغييري يؤسس لإيديولوجيا سياسية بالضرورة. وليست المهمة الرئيسية للاحزاب السياسية ذات المشاريع الاصلاحية في المرحلة أن تنشر إيديولوجيا ولا أن تنتصر لمنطق فكري مغلق ودغمائي، لكن لا يوجد حزب سياسي أو جماعة منظمة تعيش من دون إيديولوجيا أو فكرة ملهمة، وإنما المرحلة تتطلب قوى سياسية تنتصر لأولوية الاصلاح على التحيز الاديلوجي غايتها تحقيق الانتقال إلى ضفة الديمقراطية من خلال مباشرة تطبيق البرنامج السياسي المفضي لذلك الافق، برنامج ينبثق من تشخيص نقدي مدقق لوقائع الأمور لا من سلطة الإيديولوجيا التي قتعي وتزيف الوعي باستحقاقات المرحلة ومتطلبات العمل الاصلاحي.

هذا الفهم يتيح للأحزاب ألا تكون جماعات عقائدية مغلقة، لتتحاور في ما بينها حول السياسي والواقعي والراهن من مشكلات الوطن والأمة التي هي اليوم أكبر من الأحزاب جمعياً.

إن الخلافات الإيديولوجية ليست بالضرورة تعني خلافات سياسية حول مصلحة الوطن و الأمة، لذلك ينبغي على الأحزاب خلق حالة راقية من العمل الجبهوي التشاركي على صعيد وطني، خصوصاً أن أعداء الوطن والأمة يقفون في شكل تحالف عريض على الصف الآخر .

بذلك فقط نرتفع إلى فهم أعلى للسياسة بوصفها تعكس تعدد الارادات في عملية صنع القرار السياسي وتسوية وفاقية للصراع بين النخب . وهنا يجب أن تنبني العلاقات العامة للاتلك الاحزاب بناء واعياً موصولا باستراتيجية الانتقال الديمقراطي واقرار الاصلاح السياسي العميق للدولة والنهوض بالمجتمع من مأزق الانحطاط والتخلف وانطفاء الفاعلية والانجاز الحضاري، بدل الانشغال السطحي بقضايا شرعية الحكم و وتدبير السلطة اليومية الذي حرم النخب الفكرية والسياسية من التقاط البنى السياسية و الاقتصادية العميقة للمجتمع، وبالتالي المساهمة في صوغ البرامج السياسي للنهوض على هذه الأساس الفكري ، لا أن تتمحور توجهاتها حول تدبير أمور السلطة أو التمركز حول يوميات الحكم وتغييب البعد الاستراتيجي في قضية الاصلاح العام .

العزلة عن الناس والانغلاق

النقطة الثالثة في أزمة الأحزاب السياسية تتضح في ممارساتها السابقة، وطبيعة علاقتها بالمجتمع. فكثيرا ما ظهر أن هناك هوة واسعة تفصل بين وعي هذه الأحزاب وفكرها و بين الممارسة الفعلية في أوساط الشعب مما ورطها في عزلة دائمة عن آمال وآلام الناس.

إن عدم وعي هذه النقطة في السابق قاد الكثير من القوى السياسية إلى مواجهات مستمرة و مباشرة مع الحكم، وزاد في انغلاقها على ذاتها وورطها في مأزق العزلة والاغتراب في مجتكمعها حيث لم تستطع تلك القوى أن تضمن حاضنة شعبية للاصلاح، مما جعلها تتحول إلى مجرد جماعات باطنية معزولة عن الشارع السياسي مفصولة عن وجدان الناس والجمهور.

علينا أن نلاحظ أن تعاظم حالة البرود وسيادة اللاموقف وعدم التجاوب بفعالية مع مبادرات شعبية ونضالات فئات من الجماهير، يزيد من جمود بعض القوى السياسية ويعمق من انعزاليتها وانسحابها من دائرة الفعل السياسي العام، وهذا الامر يعد من أسباب نشوء حالة انعدام الثقة في السياسة وفي الفاعلين السياسيين .

لاشك أنه في ظل سياق إقليمي عام بات موطنا لتحكم الأزمات واستدامة الصراعات التي تتلاطم وتدور من غير أن تجد لها حلا و مخرجا، تتوجه فئات واسعة باتجاه الاعتصام إما بالانتظارية السياسية أو معانقة خيارات التطرف السياسي والفكري.

لذلك تواجهنا اليوم مهمة شاقة في توطين الاصلاح كخيار ومنهج واسلوب عمل، وهذا هو السبيل لجعلنا نساهم بعمق وإصرار في إرساء ثقة الناس بجدوى العمل المدني طريقا للتغيير، وتركيز النضال التنافسي السياسي الصبور أسلوبا للتمكين لقوى الاصلاح ولقيم التغيير، كي نقطع الطريق على تملك منطق المغامرة بعقول الكثيرين، واجبنا الوطني أن نقف في وجه استشراء هذه المغامرة والمقامرة التي قد تجعل الوطن على حافة انهيار وشيك لا قدر الله.

ولا شك أيضا أن مقومات إرساء الثقة بالناس هي الحفاظ على مصداقية العمل العام، وربط السياسة بالقيم ووصل المبادئ بالمصالح ونسج الممارسة على هدي من الأخلاق العام، أخلاق النهوض والبناء والتقدم. وذلك يتطلب قبولا تعدديا للمخالفين، ومبادرة مبدعة للمساهمة في صوغ برامج سياسية ملائمـة لأسئلتنا ومرحلتنا ومجتمعنا .

الحياة الداخلية للاحزاب

أما النقطة الرابعة فتتعلق بضرورة العناية بمعالجة الحياة الداخلية للأحزاب . هنا أستطيع أن أضع الملاحظات الآتية حول الأزمة التنظيمية في النسق الحزبي المغربي بعامة:

-1 لم تطرح الأزمة التنظيمية في الأحزاب السياسية المغربية – إلا فيما ندر – إلا بعد الانهيارات المتلاحقة التي شهدتها الافكار الكبرى في العالم.

-2 التجربة الحزبية المغربية –رغم أصالتها الزمنية وامتداداتها في التاريخ الوطني قبل الاستقلال- تبقى تجربة منسوخة عن تجارب أمم أخرى،وليس هناك إسهامات وطنية خاصة تنحو لإرساء نظرية تنظيمية.

-3 التجربة الحزبية في المغرب هي تجربة حديثة، إذ لم يصبح للأحزاب تقاليد سياسية وازنة، هذا يفسر عدم الحضور الجدي و الوازن للقانون في الحياة الداخلية لمجمل الأحزاب، ليحل بدلا عنه العلاقات الشخصية و الولاءات المختلفة التي انتقلت من المجتمع التقليدي إلى الأحزاب السياسية.

-4 الأزمة التنظيمية تتجلى في جزء غير هين منها في الجهل التنظيمي جهل النظرية، وجهل الممارسة التنظيمية الصحيحة إذا أخذنا في الاعتبار حسن النوايا .

هنا نذكر شهادة أحدهم عندما اكتشف أنه كان من الأيسر حشد آلاف الناس في الشارع لتواجه بصدرها القضايا الكبرى، مع عدم القدرة على جمع لقاء حزبية واحد ومحدود لتدارس أبعاد الواقع ورسم مهمات المستقبل في ذلك الوقت.

من جهة ثانية يجب الانتباه إلى أن التوجه نحو الداخل الحزبي لتجديده أو تغييره هو توجه صحيح في جزء منه، لكنه ليس صحيحا دائماً وفي كل الأوقات، إذ قد يكون هذا التوجه ردا على احباطات متكررة في الواقع و على عدم القدرة على الفعل السياسي الفعال والمبادر. وهذا أدى بالبعض، نتيجة العجز و القصور في الحضور الجماهيري، إلى أن يطرحوا أسئلة خاطئة منذ البداية.

وهذه هي الأزمة الحقيقية، أي في طرح الأسئلة الخاطئة وليس الإجابة عليها، والأسئلة المغلوطة تؤدي إلى أجوبة مغلوطة بالضرورة أو إلى انعدام الاجابة على الاطلاق.

نستطيع في الختام -بشكل مكثف و سريع -أن نقدم بعض الملاحظات حول الأسئلة و المشكلات التنظيمية التي تعيشها الحياة الحزبية في المغرب:

أ- لم تعط الأحزاب دوراً وازناً لمفهوم التجديد الفكري والنقاش السياسي و النقد الذاتي، لذلك لا بد من توسيع مفهوم النقد أولا، و إيجاد آليات حقيقية وأدوات حديثة كي يأخذ التجديد والنقد دوره في رسم صورة للحزب الديمقراطي الحديث مع الوفاء بتغيير أساليب عمله.

إن الهفوات الصغيرة تكبر مع الأيام، وتأخذ طابع التورم السرطاني إن لم تجد العلاج في الوقت المناسب.

ومن المسلم به أننا قد نخطئ في الرؤيا وقد نخطئ في التقدير والتقرير والتدبير والتعبير، وتلك مسائل ممكنة وواقعية، لكنه من غير المسلم به ترك هذه الأخطاء للزمـن وحده ليعالجها بدون أدنى وعي نقدي ولا تحليل علمي لأسباب العطب والخلل لتجاوزها وتدارك النقص فيها.

ب- التجربة السياسية المغربية في التنظيم الحزبي تجربة غنية ولا شك، لكن أيضاً يجب وضعها على مائدة البحث لتطويرها عبر دراسة الواقع السياسي كما هو.

من جهة ثانية فقد تلمسنا جميعا على صفحات الجرائد و داخل عديد من الأحزاب السياسية هجوما عنيفاً على جملة من المفاهيم الفكرية والسياسية، وكأن المشكلة هي في الكلمات المجردة، من دون مناقشة علاقة هذه المفاهيم بحركة الواقع . فهذه المفاهيم و المقولات كسائر مفردات اللغة، هي كلمات تنتمي إلى الفكر، وهي ليست مقدسة ولا شيطانية ، ولكنها تصبح كذلك بآلياتها و دلالاتها، وبالتالي المطلوب هو دراسة الآليات و الدلالات، وليس رجم المفاهيم و الكلمات بحجارة تبرئة الذات و نصب معاني وهمية.

هذا الهجوم الذي لا يتناول التفصيلات و الدلالات، مترافق بفهم ساذج للديمقراطية الحزبية، يرى أنها الآلية التي لا تلزم بشيء ولا تقيد بشيء. إن نقدنا لهذه التصورات لا يعفينا من ضرورة البحث عن آليات عمل وضوابط عملية كي لا تتحول الديمقراطية إلى حالة صورية وإجراءات تقنية معزولة عن مضمونها الفكري والسياسي .

هذه الآليات و الضوابط يجب أن تتحول إلى نصوص واضحة،عوضا عن النصوص المبهمة التي تعج بها الأنظمة الداخلية للأحزاب، التي لا تتضمن آليات واضحة وضمانات عملية يمكنها تحويل الحياة الحزبية الداخلية إلى حياة ديمقراطية حقيقة.

يجب توفير ضمانات لحياة ديمقراطية داخلية للاحزاب السياسية، تصبح معها مركزية الاطروحات الفكرية والسياسية للحزب هي المرجع في الخلاف ورسم الخط السياسي والنحت المواقف السياسية من الجاريات من الامور، مركزية النظام الاساسي والقانون الداخلي للحزب هي الفيصل في بناء قيم المؤسسية و العناية بتدبير محكم للخلاف وحرص على تفكيك نزعة الشخصنة، ومركزية البرنامج السياسي للحزب، وكل ما له صلة بالبحث عن آليات عملية لأساليب حجب الثقة، وآلية عقد المؤتمرات الاستثنائية، وآلية التعبير الحر عن الاراء المخالفة وقد يكون ذلك عبر تنشيط الإعلام الداخلي في الحزب، لا أن تتحول الحياة الداخلية لتلك الاحزاب إلى سلطة من فوق إلى تحت، وتصبح تلك الحياة الحزبية خاضعة لمعايير أخلاقية في أيدي قيادات الأحزاب.

ج- هناك عدد غير هين من المفاهيم تتوافق مع طبيعة التجربة التاريخية للاحزاب المغربية، لكنها لا تتوافق مع سياقنا الانتقالي الذي يتطلب تشكيل حزب حديث و ديمقراطي.

هنا تكثر الأسئلة :

ألا يتطلب مفهوم الوحدة الجامدة للحزب إلى مراجعة دقيقة ؟

هل هناك إمكانية لتجسيد التعبير عن الرؤى والاطروحات المتعددة ضمن الحزب الواحد، وذلك بالعودة لإنعاش فضيلة الحوار الفكري والسياسي ؟

أليس من عناصر الديمقراطية تعدد الإرادات في عملية صنع القرار السياسي داخل الحـزب الواحد؟

د- إن اعتماد الديمقراطية كأسلوب يفرض الاعتراف بالتغاير و التباين بين أعضاء الحزب الواحد من حيث مستوى الوعي و النشاط و الحركة الاجتماعية، و هذا التباين يتم التعبير عنه في المؤتمرات الحزبية عادة، و التي لا تجسد الحقائق القائمة فعلا بشكل دائم .

هنا إذا يصبح الحديث عن استبدال البنية التنظيمية الهرمية بأخرى دائرية غير مبرر. لا يوجد حزب من دون هيئات وسيطة و قيادات ورموز، لكن آلية العلاقة بين هذه الهيئات والقيادات بحاجة لمحددات واضحة، ترسم طرق عمل تضمن سهولة الحركة في جميع الاتجاهات، إضافة للحركة الأفقية النشيطة عبر اعتماد أساليب الإدارة الحديثة.

أيضا لا بد من توضيح صلاحيات كل هيئة حزبية عبر نصوص محددة في الأنظمة الداخلية، بحيث لا تخرج هيئة ما عن حدود صلاحياتها أيا تكن هذه الهيئة، وهذا يوفر الجو الملائم للتخلص من العقلية الاتكالية التي تسم كل هيئة حزبية في اعتمادها على الهيئة الأعلى منها، والحرص على تساوي أعضاء الحزب، وان اختلفت درجاتهم التنظيمية ومستوى استيعابهم للمعطيات السياسية والفكرية المتوافرة حول الحزب وفي محيط المجتمع.

على سبيل الختم

لقد كانت الملاحظات السابقة محاولة منا لفتح حوار جدي وعميق يطرح أسئلة في الذهن ينبغي مناقشتها من دون مواقف انفعالية، إذ لا بد لنا اليوم الانطلاق من فكرة التراكم في الرأي، من أجل وضع تصور فعال واقعي لحزب حديث ومتطور وديمقراطي ومنفتح على المجتمع، حزب يدرك أهمية النقد و المراجعة في التطور، مستفيدا من التجارب الماضية التي أوصلته للفوضى و الاستبداد و الانغلاق على الذات، وعدم احترام الآخر.

ما من أحد له الحق في مصادرة الحق في مراجعة الماضي و إخفاقاته، وكل محاولة تتعرض لتجربة الماضي من دون عقل نقدي لا تعني سوى أن الحاضر ميت وراكد.

إن اللحظة التي تطرح فيها الأحزاب المغربية ماضيها كموضوع للنقد و التغيير و التطوير الموضوعي هي اللحظة التي تجعلنا نعتقد أنها بدأت تفكر بالمستقبـل.

patisserie