رشيد نيني يفجر المستور و يكشف كيف يتستر رئيس حكومة حزب العدالة و التنمية عن ممتلكاته في مقال تحت عنوان ” وناري مالك سكتي؟“

كلما انفجرت فضيحة أو شبهة تتعلق بأحد القياديين في الحزب الحاكم إلا وانبرى النائب عبد العزيز أفتاتي، رئيس لجنة الشفافية داخل الحزب ليعلن «تقبطه» بالملف.

وإلى حدود اليوم «تقبط» رئيس لجنة الشفافية بملف مصطفى الخلفي الذي اعترف باستعماله لسلطته كوزير للتدخل لدى مدير بنك عمومي من أجل تشغيل ابن رئيس حركة التوحيد والإصلاح السابق، ولم نسمع أن اللجنة أجبرت الوزير الخلفي على الاستقالة أو على الأقل تقديم اعتذار للرأي العام، رغم أن أفتاتي اعترف بأن سلوك الوزير الخلفي بالتوسط لابن الحمداوي يمس بالشفافية والنزاهة.

وسمعنا أن رئيس لجنة الشفافية «تقبط» بملف البرلماني والمستشار رضى بنخلدون بعدما انفجرت قضية استفادته من أرض شيد عليها «فيلا» بعدما اشتراها من والده مدير الأملاك المخزنية الذي استفاد منها في إطار أراضي الدولة. وإلى اليوم لم نقرأ تقرير لجنة الشفافية حول هذا الملف.

واليوم، بعدما نشرنا وثائق دامغة تثبت توفر رئيس الحكومة على مطبعة مسجلة باسمه، وتوصلنا بالوثائق والمستندات التي تؤكد أن رئيس الحكومة بوصفه مسؤولا عن المطبعة استفاد من ملايين الدعم العمومي عن طريق وزارة الثقافة، ضدا على القانون الذي يمنع المسؤولين الحكوميين من الاستفادة من الأموال العمومية لصالح شركاتهم ومقاولاتهم، سمعنا أن رئيس لجنة الشفافية «تقبط» بالملف وأنه سيحاكم رئيس الحكومة في «محكمة الشفافية»، بينما المعني بالأمر، أي رئيس الحكومة، تلفع بالصمت المطبق وصام عن الحديث في هذا الموضوع المحرج.

يبدو، والله أعلم، أن حكاية «الشفافية» هذه ليست سوى طريقة ماكرة لتعويم النقاش القانوني والجدي بشأن بعض الخروقات والشبهات التي يقع فيها قياديو الحزب الحاكم، ما يكفي من الوقت لكي ينسى الرأي العام الموضوع ويمر إلى شيء آخر.

وحتى لا نقع في هذا الفخ الماكر، يمكننا أن نترك السيد عزيز أفتاتي يحقق مع رئيس الحكومة في شأن امتلاكه لمطبعة وفي شأن الأموال العمومية التي استفاد منها عن طريق هذه المطبعة، ولو أن رئيس الحكومة «جرح» في شخص أفتاتي ونزع عنه «الأتمية» عندما اتهمه بكونه «مجدوب راه على قد الحال» محذرا إخوانه من الثقة به قائلا «عنداكم تيقو وتصحابوه شي دماغ، راه داكشي عندو على قد الحال درويش وكنعرفو بحال يدي، راه كيشير وما كيعرفش العواقب الجانبية».

كيف إذن سيقبل رئيس الحكومة والأمين العام لحزب العدالة والتنمية أن يقف بين يدي شخص وصفه بكل هذه النعوت لكي يحاكمه هذا الأخير ويصدر تقريرا بشأنه؟

ومن جهتنا فهذه الورطة التي وقع فيها رئيس الحكومة تطرح ثلاث إشكاليات كبرى، الإشكالية الأولى أخلاقية، وتتعلق بعدم احترام رئيس الحكومة للقانون الذي ينص على عدم الجمع بين رئاسة الشركات والمؤسسات الخاصة وبين تحمل المسؤولية الحكومية، خصوصا وأن رئيس الحكومة رأى كيف أن وزراء مليارديرات في حكومته تخلوا عن رئاستهم لشركاتهم القابضة ورئاسة مجالسها الإدارية وعينوا من ينوب عنهم في هذا الأمر، دون أن يؤثر ذلك في شعبيتهم، بل إن استطلاعات الرأي تقول إن شعبيتهم زادت.

والإشكالية الثانية قانونية وتتعلق باستفادة شركة رئيس الحكومة من أموال عمومية، وبالضبط من أموال وزارة تقع تحت مسؤوليته المباشرة، وهي وزارة الثقافة.

أما الإشكالية الثالثة، وهي كبرى الإشكاليات، فهي دستورية، إذ أصبح من اللازم أن يجيب رئيس الحكومة على سؤال يتعلق بمدى احترامه لمبدأ دستوري وهو التصريح بالممتلكات، فهل صرح رئيس الحكومة في الوثيقة التي ملأ بأنه يملك مطبعة مسجلة باسمه أم لم يصرح؟

عندما تثار أسئلة بخصوص تصريح مسؤول عمومي بممتلكاته يصبح لزاما على السلطة المختصة فتح الظرف المختوم الذي تقدم به المسؤول عند تحمله للمسؤولية. فهل ستتجه الأمور إلى العمل بهذا المبدأ مع رئيس الحكومة؟

في الدول الديمقراطية التي يحترم فيها رؤساء الحكومات أنفسهم بمجرد ما يتورطون في مثل هذه الشبهات الأخلاقية والقانونية يسارعون إلى رد الأموال التي استفادوا منها خارج القانون والاعتذار لدافعي الضرائب ثم تقديم استقالتهم.

المثير في حالة رئيس الحكومة هو أن هذا الأمر لا يبدو أنه يحرك شعرة واحدة في رأسه، فلا هو اعتذر ولا هو أعاد الأموال إلى الخزينة ولا هو استقال، فهو يهدد فقط بتقديم الاستقالة لكنه لا يمر إلى التنفيذ لأنه يدمن على حب السلطة ويعشق الامتيازات المرافقة لها، مهما حاول ادعاء الزهد والترفع عن الماديات.

إن ابتلاع رئيس الحكومة للسانه في هذه القضية بالذات وتفويض أمر الحديث عنها لرئيس لجنة الشفافية لكي يعوم الموضوع، يكشف أن هناك حرجا كبيرا لدى رئيس الحكومة من الاعتراف بأنه خالف القانون.

وطبعا هذه ليست أول مرة يعطي فيها رئيس الحكومة مثالا سيئا على عدم احترام رجل السلطة للقانون، فقد خرق القانون عندما تورط في البناء العشوائي داخل بيته بدون رخصة، مما اضطر البلدية إلى توقيفه، وخرق القانون عندما حمل في سيارته، وهو ذاهب إلى طنجة لكي يخطب لسمير عبد المولى، رجل أمن كان يقوم بالأوطوسطوب على قارعة الطريق ولا يتوفر على رخصة من الإدارة العامة للأمن الوطني.

وإذا كان المكلفون بالدفاع عن رئيس الحكومة أمام الرأي العام بخصوص قضية استفادة مطبعته خارج القانون من أموال وزارة الثقافة، يدفعون بأن المطبعة ليست في ملكه وإنما هي ملك لحركة التوحيد والإصلاح، رغم أن الأوراق الموضوعة في المحكمة التجارية تقول إنها مسجلة باسم عبد الإله بنكيران، فإننا نطلب من هؤلاء المحامين المتطوعين أن يشرحوا لنا لماذا كشف «موكلهم» رئيس الحكومة عن امتلاكه فقط لمعمل لصنع مواد التنظيف يسجل عجزا سنويا يقدر بحوالي خمسة ملايين سنتيم، في الوقت الذي فضل أن يضرب «الطم» عن المطبعة التي تسجل الأرباح؟

وحتى إذا كانت المطبعة بدورها «عاجزة» ولا تسجل أرباحا سنوية، فلماذا لم يكشف رئيس الحكومة للجماهير التي جاءت تستمع إلى خطابه الذي صور من خلاله نفسه كرجل فقير لا يملك شيئا، أنه يملك أسهما في مدرستين خاصتين للتعليم بكل من الرباط وسلا؟

نتحدث بالتحديد عن «مؤسسة بدر» بالرباط التي يملكها رئيس الحكومة بعقد كراء وليس تمليك، وعن «مؤسسة أرض السلام» التي يشترك في ملكيتها مع الراحل عبد الله باها وقيادي آخر في الحزب، وهي المدرسة التي يشاع أن عقدة الشركاء تم فسخها، وتركيزها في ملكية بنكيران، مع إحداث تغييرات في بنية المدرسة بعد توسيعها واقتناء المنازل المجاورة لها.

هل هذه المدارس الخاصة التي لرئيس الحكومة أسهم فيها هي أيضا تسجل عجزا سنويا مثل معمل «جافيل» الذي يشترك فيه مع أخيه؟

هل هناك مدرسة خصوصية واحدة في كل البلد لا تسجل أرباحا سنوية؟

كم هي هذه الأرباح التي يستفيد منها رئيس الحكومة سنويا بفضل هذه المدارس الخاصة التي يملك؟

على رئيس الحكومة أن يكف عن تقديم نفسه في كل خطاباته كرجل فاشل في كل شيء، فاشل في دراسته وفاشل في مقاولاته وفاشل في كل مجال غامر بالدخول إليه، فليس عيبا أن يتحدث الإنسان عن نجاحاته أحيانا، وليس عيبا أن يكشف الإنسان عن ثروته، فالله يحب أن يرى نعمته على عبده.

اللهم إلا إذا كانت هذه طريقة بنكيران في حماية نفسه وممتلكاته من «التقواس» فهذا موضوع آخر.

patisserie