في حوار مع «الاتحاد الاشتراكي» قال إلياس العمري، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، إن حزب العدالة والتنمية أسس في منزل إدريس البصري، مشيرا إلى أن قادة هذا الحزب أنفسهم صرحوا بذلك، وتحديدا مصطفى الرميد وزير العدل الحالي، الذي قال إن ادريس البصري طلب منه نيابة عن الملك الراحل الحسن الثاني، كتابة تقرير حول الحركات الاسلامية. وفعلا أنجز التقرير، يقول إلياس العماري، وسلم إلى البصري، وعلى إثر ذلك تأسس الحزب ودخل الانتخابات في 1997 .

وأضاف ن التوجيه الأمريكي مورس في المغرب شأنه في ذلك شأن باقي الدول في العالم الإسلامي: متوقفا عند اللقاءات العلنية التي تمت في السفارة الأمريكية بالرباط مع جميع التيارات الاسلامية، زيادة على اللقاءات السرية، في الوقت الذي كان فيه الصف الديمقراطي الحداثي يقاطع هذه اللقاءات. وأشار العمري إلى الدور الذي لعبته السفارة الأمريكية والمبشرون الجدد، مؤكدا في أجوبته عن أسئلتنا أن السياق الذي جاءت فيه الانتخابات المغربية هو سياق أمريكي بإمتياز. ووصول العدالة والتنمية إلى الحكم ليس نتيجة الربيع العربي، كما صرح بذلك رئيس الحكومة في أكثر من مناسبة. بل هو أمر مدروس ومرتبط بعضه بالبعض.

{ الأستاذ إلياس، مرحبا بك في حوار لـ«الإتحاد الاشتراكي» ، نريد أن نبدأه من المشهد السياسي في محيطنا الاقليمي والجهوي. فلا شك أن سنة 2011 و2012 عرفتا حراكا يطرح الكثير من التساؤلات حول انتفاضاته من جهة، والمساهمين الدوليين في تغييرات ساحاته من جهة أخرى، وحول ما طرحه على المشهدين السياسي والحزبي والمدني من البحث عن آليات أخرى للاشتغال. نريدك أن تقربنا من موقعك كقيادي داخل حزب الأصالة والمعاصرة وكفاعل سياسي وجمعوي في الساحة من هذا المشهد الذي يدعو اليوم إلى تحليله وتفكيكه لفهم الاستراتيجيات الخفية والظاهرة التي تقوده بإمتياز؟

أولا شكرا لك ولجريدة «الاتحاد الاشتراكي» على هذه الاستضافة. إن التحولات التي حدثت في الخريطة السياسية للمحيطين الإقليمي والجهوي، ليست وليدة الصدفة، كما يعتقد البعض، بل إنها وليدة عوامل مختلفة تتداخل فيها تراكمات سلبية نفسيا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا التي كرستها الأنظمة الاستبدادية الموجودة في المنطقة بالعامل الأساسي الممثل، أيضا سيادة الرأي الواحد في مركز القرار الدولي. وأعني به، بطبيعة الحال، القرار الأمريكي باعتبار أمريكا سيدة العالم ومحركة اتجاهاته وتوجهاته بامتياز. فوضعت يدها في يد حركة الإخوان المسلمين العالمية بمختلف أجنحتها. و ظلت قائدة الركب للدفاع عن التوجه الإمبريالي في المنطقة ضد المد الاشتراكي و حركة التحرر الوطني سواء في المغرب و مصر والأردن وليبيا و سوريا .

من هنا تتضح الصورة كون الأنظمة العربية لم تعمل على تصفية الإرث التنويري لوحدها، بل قاد المعركة معها حركة الاخوان المسلمين المكلفة بمهمة التطوير والدفاع عن التوجه الأمريكي بمختلف الوسائل.

وفي نفس الاتجاه نتساءل من واجه المد الاشتراكي في ساحات أخرى غير عربية كأوروبا الشرقية وآسيا، ومن تزعم كل التحولات التي وقعت في مناطق مختلفة منها أفغانستان، ومن المتزعم الآن لهذه التحولات؟

كل هذه الأسئلة وأخرى تجد جواب في رأي الاستراتيجيين الأمريكيين على ضرورة تغيير الخريطة السياسية العالمية. فكان خطاب أوباما في مصر إعلانا عن بداية تغيير الأنظمة، وخلق أخرى بديلة يتوفر فيها شرط التبعية بجرعة زائدة عن تبعية الأنظمة السابقة، بعد استكمال أمريكا لبناء القوى التي ستقوم بمهمة الحراسة.

فشرق أوسطيا هناك إسرائيل، وفي شمال افريقيا هناك جنوب السودان. وكانت مصر المستهدف الأول باعتبارها القوة التي تشكل الخطر الكبير انطلاقا من تاريخها وكثافة سكانها و تجربتها. وتبقى منابع النيل التي تتحكم فيها دولة جنوب السودان هي بداية النهاية لمصر، فهل تتصورين مصر بدون نيل؟

زد على ذلك مشاكل الحدود في منطقة النوبة وأسوان ومشكل الأقباط إلى غير ذلك من المشاكل التي تواجهها مصر.

وبعد أن استكملت أمريكا هذا المشروع، أعطت الإذن لحركة الإخوان المسلمين العالمية، وليس لطرف آخر للثورة على الأنظمة، وبقيادة ما يصطلح عليه حاليا في الدراسات الحديثة «الحركات الدينية الجديدة»، وهي تعني في اصطلاحها الجديد، بداية التحول العميق للدين دون ثقافة. علما أن الدين قبل القرن الثامن عشر كان مرتبطا بوضعه الإقليمي، وبعد ذلك انفصل ليصبح دينا يتخطى الحدود الاقليمية دون ثقافة.

من هذا المنطلق إذن، اعتبرنا أمريكا هي المحرك الأساسي لكل هذه التحولات باعتمادها على النخب الجديدة التي قلت عنها إنها تستعمل الدين دون ثقافة لتتخطى به الحدود الوطنية والإقليمية. أسألك عن دور أوروبا في ذلك؟

لقد تحولت أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية تابعة لأمريكا، القرار هو أمريكي بامتياز، ولحد الآن ليس لأوروبا قرار سياسي مستقل لاعتبارات استراتيجية معروفة، كما أن حضور أوروبا شبه منعدم على الخريطة الدولية، ويبدو ذلك جليا في النزاعات الإقليمية سواء في الشرق الأوسط أو أفريقيا أو أوروبا الشرقية، ويبقى الحسم النهائي لأمريكا.

طيب أستاذ إلياس، ولكن فرنسا تبدو قائدة للحراك مع النخب الجديدة التي أشرنا إليها، وفرنسا في عهد ساركوزي قادت ذلك علانية، ويبدو رأيك في التبعية للسيد الأمريكي مقبولة في هذا الاتجاه. ولكن هل يمكن أن تظل فرنسا كما هي مع مجيء الاشتراكيين إلى قيادة البلد، علما أننا لاحظنا أن هولاند يكرس نفس فرنسا في قيادة حراك سوريا، ويتدخل في ساحات أخرى لصالح النخب الجديدة ؟

هناك فرنسا واحدة، وفرنسا القرار ليست هي فرنسا التدبير، ومن هذا المنطلق فهولاند يقوم بتدبير القرار مثله في ذلك مثل ساركوزي، وأعطي مثالا بباكبو، فالاشتراكيون كانوا ضد وثرا وضد تدخل ساركوزي في بوركينا فاصو، واليوم يواصلون نفس سياسة ساركوزي، وموقف فرنسا من نظام زين العابدين في الساعة الأخيرة في النظام كانت المساندة، نظرا لجهلها بالقرار الأمريكي.

لقد حاول ساركوزي استدراك الموقف في ليبيا، لكنه كان يقوم بالحرب بالنيابة، ولهذا فأوروبا بصفة عامة، مع استثناء ألمانيا إلى حد ما، تقوم بالحرب بالوكالة عن أمريكا. وهذه الأخيرة بعد التدخل في العراق وأفغانستان وعقدة الفيتنام تحاول أن تدفع بالأوروبيين الى المستنقعات.

في هذا الاطار لا يمكننا أن نتحدث عن المحيط الاقليمي والجهوي دون الوقوف عند الساحة المغربية، والتي أدى الحراك فيها، وفي محيطها إلى صعود نجم الإسلاميين وتبوأ حزب العدالة والتنمية رئاسة الحكومة بدستور متقدم يتيح لهذه الرئاسة صلاحيات واسعة.

هل يمكن أن نعتبر مجيء هذه النخب الجديدة في المغرب التي هي نخب إسلامية بما في مفهوم الإسلامية من نقاش إلى الحكم هو نتيجة دعم خارجي، أم أن الأمر يتعلق بخصوصية مغربية ديمقراطية ناتجة عن الاحتكام إلى صناديق الاقتراع؟

إن المسألة فيها أكثر من بعد، هم أولا ليسوا بنخب إسلامية، فكلنا مسلمون، وأنا أفضل أن أسميهم بحركات ظلامية، وتدبير الشأن العام من طرف حزب العدالة والتنمية هو رد الجميل. ولا يمكن أن ننسى نهائيا أن قادة هذا الحزب قاموا تحت يافطات متعددة بأعمال قمعية في سنوات السبعينيات والثمانينيات وحتى التسعينيات، كاغتيال الشهيدين ابن عيسى والمعطي وآخرين من القرن الماضي، وكان ذلك نيابة عن أجهزة في الدولة لمواجهة التيار الحداثي في الجامعات والجمعيات وفي الشوارع، وذلك إبان اشتغالهم كجمعيات سرية، ولدى امتهانهم هذا الدور تمت الإشارة إليهم لتأسيس حزب، وهو حزب العدالة والتنمية، الذي أسس في منزل إدريس البصري، ولست أنا من يقول ذلك، بل قادة هذا الحزب هم أنفسهم من صرحوا بذلك، وتحديدا الأستاذ مصطفى الرميد وزير العدل الحالي الذي صرح بذلك، وقال إن ادريس البصري طلب منه نيابة عن الملك الراحل الحسن الثاني بكتابة تقرير حول الحركات الاسلامية. وفعلا أنجز التقرير وسلم إلى البصري، وعلى إثر ذلك تأسس الحزب ودخل الانتخابات في 1997 .

وإلا كيف تفسرين أن حزبا في عمره عشر سنوات حصل على ضعف ما حصلت عليه جميع أحزاب الحركة الوطنية التي يعود تاريخها إلى الأربعينيات من القرن الماضي.

الشيء الثاني الذي أود الإشارة إليه، أن التوجيه الأمريكي مورس في المغرب شأنه في ذلك شأن باقي الدول في العالم الإسلامي: وأنت تعرفين جيدا اللقاءات العلنية التي تمت في السفارة الأمريكية بالرباط مع جميع التيارات الاسلامية، زيادة على اللقاءات السرية في الوقت الذي كان فيه الصف الديمقراطي الحداثي يقاطع هذه اللقاءات، ومن هذا المنطلق نحن نعرف الدور الذي لعبته السفارة الأمريكية والمبشرون الجدد، ولهذا فالسياق الذي جاءت فيه الانتخابات المغربية هو سياق أمريكي بامتياز. فوصولهم إلى الحكم ليس نتيجة الربيع العربي، كما صرح بذلك رئيس الحكومة في أكثر من مناسبة. أبدا، إن الأمر مدروس ومرتبط بعضه بالبعض.

في هذا الإطار أكيد أنه لا يمكن إبعاد الأجندة الأمريكية عما يسمى الحراك في المحيطين المغاربي والعربي مع الخصوصية المحددة لكل بلد على حدة. لكن السؤال الذي يواجهنا في هذا المنحى، هل أمريكا الآن راضية عن نتائج تنفيذ أجندتها وما ترتب عن ذلك خصوصا في ساحات محددة. وإذا اطلعنا على تونس وليبيا ومصر، نجد التحولات السريعة نحو «الديمقراطية» والاحتكام إلى صناديق الاقتراع بدعم واضح ومفضوح للنخب الجديدة، بمشاركة تظل فيها الأغلبية الصامتة الحلقة الأصعب، قد أدى الى إحداث شرخ وخلل في الساحات المعنية. ماهي قراءتكم للصمت الأمريكي إزاء هذه النتائج من جهة، و ما هو في نظركم الافق المتوخى من ذلك؟

أولا ليس هناك تخوف أمريكي، لأن كل هذه النتائج التي نعيشها هي نتائج معروفة لدى الأمريكيين، بل الأكثر من ذلك أنهم ساهموا في صنع هذه النخب. وطبعا كانت هناك عوامل موضوعية، وهي عوامل راجعة إلى الاستبداد المطلق للأنظمة في هذه الدول تتجلى في غياب الديمقراطية والتعددية الحزبية وحقوق الإنسان وحرية التعبير إلى غير ذلك من عوامل القهر التي أدت إلى انفجارات و تبوء التيار الوهابي مراكز القرار في هذه المناطق، فالتيار الوهابي هو الحليف الإستراتيجي لأمريكا، بل الحليف الحقيقي الذي نفذ تاريخيا استراتيجية أمريكا في المنطقة بامتياز.

فنزول الجيش في تونس للإشراف على الأمن وانتقال السلطة، كذلك نزول الجيش بثقله في مصر، فالعملية ليست داخلية في حدودها الوطنية، لأن هذه مؤسسات عسكرية على علم مسبق بكل التفاصيل، حيث شاركت في الثورة على النظام، فالأمر يعتبر في نظري انقلابا وليس انتفاضة جماهيرية .

طبعا لا يمكن نفي العامل الجماهيري الشعبي كعامل تاريخي. ولكن السؤال هو من يستغل العامل الشعبي ويحسم المعركة لصالحه. والجيشان المصري والتونسي هم زبناء متميزون بخبرائهم الأمريكيين.

نحن نتساءل، ماذا سيشكل هؤلاء الوهابيون من خطر على أمريكا إذا استولوا على العالم الاسلامي بدون باكستان، أي بدون قنبلة نووية . هل سيكونون أخطر من المد الاشتراكي ومن المد الشيوعي ومن الحركات المطالبة ببيئة سليمة من البيئيين الذين بالفعل يشكلون خطرا على الامبريالية، لأنهم يضربون في العمق المصالح التجارية والاقتصادية، من خلال دفاعهم عن الطبيعة وعن البيئة السليمة.

إذن، فأمريكا عندما قررت البحث عن طرف تستعمله في مخططاتها، اختارت الإخوان المسلمين، وهذا مهيأ له منذ زمان بعيد.

خذي مثلا الأستاذ برهان غليون، الرئيس السابق للمجلس الوطني السوري، إنه رجل حداثي، لكنه كان مستشارا لحسن الترابي. إذن برهان غليون لم يتم اختياره اليوم، بل إن الرجل تم تهيِؤه منذ زمن بعيد.

إذا ذهبنا في هذا الاتجاه كون أمريكا وضعت اليد في يد الظلاميين، وأردنا أن ندقق في الأمر، فقبل الحراك كانت أمريكا تشتغل في منتديات الديمقراطية والمستقبل على المشروع الديمقراطي الحداثي مدافعة حسب ظاهر الأمور، على الأقل، عن الدولة الحديثة، المحتكمة إلى صناديق الاقتراع. وبدا بعد ذلك أن هذا المكون الحداثي المقتصر على الإدارة وعلى الإعلام والتواصل والعالم الرقمي والإلكتروني بصفة عامة، هو موظف من أجل إشاعة فكر آخر، إن شئت، ضد الفكر التنويري. والسؤال، إذا كانت أمريكا تريد أن تعطي بدائل للحداثيين بالسلفيين الوهابيين والظلاميين حسب تعبيرك، فهل هذا يعني أنها تريد خلط الأوراق من أجل إعادة ترتيبها، وتستعمل هؤلاء من أجل المرور إلى أجندة أخرى، أم أنها تسعى إلى أن تكون الاوراق مختلطة من أجل مصالحها في العالم الثالث بالأساس؟

فيما يتعلق بالدولة الحديثة، بالمفهوم الأمريكي الجديد وفق تصور فوكوياما هي دولة الرأي والاتجاه الوحيد. فالديمقراطية الأمريكية ليست مبنية على صناديق الاقتراع، بل هي مبنية على ثنائية حزبية. فالطفل الأمريكي ذو سبع سنوات يعرف من سيحكم بعد عشرين سنة، وهل سيكون الرئيس من الديمقراطيين أم من الجمهوريين. وهذه ليست ديمقراطية عندما يكون الأمر مبنيا على ثنائية محددة ومعروفة مسبقا. ولكن عندما نتحدث عن صناديق الاقتراع، فإننا نتحدث عن هامش كبير من المفاجأة. أما مفهومها للدولة الحديثة فهي دولة الاستهلاك، استهلاك الرأي الوحيد والسلعة الوحيدة.

وأما عن تحالف أمريكا مع الوهابيين، فإنه تحالف موضوعي، لأن هناك شيئين اثنين ضد الثقافة، الدين والسلع.

وأريد أن أصل إلى خلاصة من خلال كلامي هذا، أن الذي يحتاج إلى التنقل خارج الحدود الاقليمية والوطنية هو السلع والدين. ولهذا أقول أن لحركة الإخوان المسلمين دينا ولأمريكا سلعة، فتحالفهم والتقاؤهم موضوعي. والأمر لا يدعو إلى اجتماعات ومعرفة مسبقة بأشخاص. فالعالم الآن ليس محتاجا إلى الغزوات والفتوحات، بل الأمر أصبح يعتمد على التحولات. علما أن الأمر بالأمس كان كذلك، وتجدين كل من المسلمين والمسيحيين واليهود وآخرين يفعلون نفس الأمر.

وأعطيك مثالا على ذلك، ففي الوقت الذي كانت فيه الجزائر إقليما تابعا لفرنسا كانت الكنيسة الكاثوليكية قد فشلت في تجنيد الجزائريين رغم العدد الكبير من المبشرين، فهم لم يستطيعوا فعل شيء في قرن من الزمن. لأن الجزائريين رفضوا التخلي عن الدين الإسلامي أمام التبشير بالمسيحية، إلا بعض الأقليات القليلة جدا المثقفة منها على الخصوص. ولكن بعد الاستقلال، وبعد أن منع التبشير في الجزائر بمقتضى قانون، وصل عدد المتحولين من الإسلام إلى المسيحية في ظرف عشر سنوات بهذا البلد إلى مجموع عدد المتحولين في قرن من الزمن، رغم أن المسيحية في السنوات الاخيرة استعملت المنهجية السرية في العمل، فهي لا تعلن عن الملتحقين بها، وذلك خلافا للمسلمين.

لقد أصبح الأمريكيون منذ القرن العشرين إلى الآن تبسيطيين في التعامل مع القضايا الجوهرية. وكما أشرت أصبحوا يعتمدون على الإعلام بدون معرفة.

في بداية القرن الماضي إلى حدود الثمانينيات، استثمر الأمريكيون ملايير الدولارات في الدراسات السوسيولوجية، و الأنثربولوجية، إلى غير ذلك من العلوم الإنسانية، وأدركوا حقيقة الشعوب، وتعاملوا بناء على نتائج هذه الدراسات، مع شعوب العالم واستطاعوا النفاذ إلى أعماق بلدان جد معقدة .

ولكن في السنين الاخيرة تحولوا إلى مجتمع التواصل والاتصال، وهم يستثمرون اليوم أموالا باهظة في التواصل من أجل البحث عن المعلومة، بمعنى أنهم يتنافسون الآن بالمعلومة وليس بالعلم. وهذا هو الخطأ الذي سيدمر أمريكا. لأن أمريكا حولت مفكريها إلى مخبرين.

لا يختلف اثنان أن العلاقة بين الإسلاميين والأمريكيين كانت دائما علاقة مد وجزر في محطات تاريخية مختلفة قبل الحرب الباردة وبعدها، الأمر الذي يقرأ بقراءات مختلفة، لكنها تصب في نتيجة الإقرار بالتعاون الأمريكي مع الإسلاميين ضد التنويريين.

من هذا المنطلق أريد أن أدقق معك في سؤال آخر، أن هذه الشعوب التي تنخرط في هذا المخطط الثنائي الذي يجمع الإخوان المسلمين مع أمريكا، كانت شعوبا تطالب دائما أمام عجرفة الأنظمة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وهذه المطالبة فيها المشترك بين الإسلاميين السلفيين والحداثيين التنويريين الاشتراكين والشيوعيين واليساريين بصفة عامة بمن فيهم الأمازيغيون، هذا المشترك دفع هذه الشعوب أمام ملف اجتماعي وسياسي ثقيل وأمام ديكتاتوريات تتبنى الفكر الشمولي القاسي إلى الخروج للشارع بوتيرة مختلفة بين الساحات. ففي المغرب وجدت تيارات حداثية يسارية إلى جانب العدل والإحسان في حركة 20 فبراير، وفي ليبيا وجد الليبراليون إلى جانب السلفيين في ثورة 17فبراير، وفي تونس النهضويون إلى جانب اليسار..الخ. والسؤال لماذا لم تتوجه أمريكا الى الحلقة الأقوى في العالم المغاربي وهي الحركة الأمازيغية، علما أن هذه الحركة كانت منفتحة جدا على المجتمع المدني الدولي؟

أولا بالنسبة للمشترك الذي ذكرته بين الحداثيين والظلاميين، أريد أن أبدي فيه رأيا.

ورأيي أن لكل واحد من هؤلاء زاوية لهذا المشترك.

زاوية الحداثيين هي الوطن، وزاوية الظلاميين هو العدو لأنهم يعتقدون أن الوطن لهم وحدهم .

خذي تجربة إيران مثلا، فنضال القوى التقدمية لإسقاط نظام الشاه في إطار عمل مشترك مع الظلاميين أي مع الخميني. وبعد تمكن الإمام بالإمامة وبالدولة قام بتصفية كل التقدميين اليساريين، لأن الظلاميين يعتبرون المشترك مع الحداثيين هو العدو، ونحن نعتبر المشترك بيننا هو الوطن.

المنطلقات مختلفة تماما، وما ترينه في الشارع المغربي وفي شوراع أخرى من العالم من تلاحم بين ظلامي وحداثي هو تلاحم بين الماء والنار. فعند الحداثي المشترك ليس هو القمع فقط، بل هو يعمل من أجل وطن يتسع للجميع للمتدين وغيره وللمسلم وغير المسلم، للتاجر وغير التاجر، للمثقف وللجاهل، وعند الظلاميين الوطن لا يتسع للجميع، بل فقط لمن يقاسمهم نفس الافكار والإديولوجيا، وإلا يجب أن يؤدي الثمن من جسده و قناعته من أجل بطاقة لإقامة مؤقتة حتى «يهديه الله» وإن لم يتم ذلك فمآله التعنيف بشتى الوسائل بما في ذلك الإعدام.

إنهم هكذا يفكرون، وهذا التلاحم الذي ينظر إليه بالعين المجردة في الشارع، ليس صحيحا. وأكرر أن في الشارع هناك نار وماء. والماء هو الاتجاه الحداثي في العالم. والحداثيون جعلوا من الماء والشجر والهواء شيئا مقدسا. والنار هو الاتجاه الظلامي الخامد تحت الرماد.

أما بالنسبة لتساؤلك عن الحركة الأمازيغية وعلاقاتها مع المحيط. أشير إلى أن الأمريكيين أعطوا أهمية كبرى لما سمي التعدد الإثني في العالم، ولقد حاولوا مرات عديدة التعامل مع الحركة الأمازيغية في شمال إفريقيا وليس المغرب فقط، ولكن نظرا لإختلاف الحركة الأمازيغة عن الحركة الظلامية العربية والإسلامية، ونظرا لكونهما مساران مختلفان، فكل قادة ونشطاء الحركة الأمازيغية في المغرب وفي شمال افريقيا وحتى في مالي عند الطوارق أو في النيجر تكوينهم تكوينا ديمقراطيا، بل كل الزعامات الكريزماتية، تكوينها تكوينا تقدميا حداثيا. وهؤلاء لا يمكنهم نهائيا التعامل مع أمريكا، رغم المحاولات المتكررة لهذه الأخيرة عبر آلياتها الدبلوماسية والمالية.

إذن الأمريكيون فهموا منذ البداية أن الحركة الأمازيغية هي حركة ضد الإمبريالية. وهي لن تكون إلا حركة ديمقراطية تقدمية. ولا يمكن أن يتصور أي كان أن الحركة الأمازيغية بإمكانها أن تكون حركة أصولية. لأنها حركة تقدمية بطبيعتها. فلذلك وقفت الحركة الأمازيغية تاريخيا مع الحريات الفردية والجماعية، ووقفت إلى صف الفقراء والكادحين، وحتى الحركات المماثلة لها تبنت نفس المشروع الحداثي سواء في أمريكا اللاتينية أو في الشرق الأوسط. فمثلا الأكراد استفادوا من الدرس السني – الشيعي، الإسرائيلي – التركي، مثلا أكراد سوريا لم ينخرطوا في اللعبة الأمريكية، كذلك الشأن لأكراد تركيا وأكراد إيران، إنهم يقاتلون يوميا من أجل الحق في الحياة بدون دعم سياسي أو مادي. ولكن أكراد العراق انخرطوا في اللعبة الأمريكية ظاهريا، نظرا لظروفهم الصعبة، لأن أكراد كردستان يشكلون قاعدة خلفية لكل أكراد المنطقة من أجل التحرك. فالمقتضيات الجيوستراتيجية تفرض على أكراد العراق التعامل مع كل قوى المنطقة بما فيها أمريكا بالدرجة الأولى، فهم محاصرون من خطر فارسي وعثماني وصهيوني أمريكي، إضافة إلى المشروع الوهابي لبناء دولة الخلافة الذي ترعاه دول الخليج تحت يافطة أهل «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، تتويجا وتطبيقا روحيا لتعاليم محمد عبد الوهاب في كتابه «التوحيد».

لقد فكر الأمريكيون في إسرائيل كحارس، ولم يفكروا في دولة الأكراد وفكروا في دولة جنوب السودان والأنظمة الوهابية التابعة، ولم يفكروا في دولة الطوارق الأمازيغية.

الشرق محاصر بإثنية أخرى، الوهابية من جهة، وشيعة إيران من جهة أخرى، هذا المد ألقى بظلاله على محيطنا الإقليمي والجهوي بمنطقة شمال إفريقيا والمناطق المجاورة. ما هو رأيكم في تضارب هذا المد الإثني، على أساس أنه يوتي أكله في العراق اليوم، فماذا عن شمال أفريقيا في هذا التضارب بين الشيعة والوهابية؟

أولا في الشرق ليست هناك قوتان فقط، بل هناك أربع قوى لها مشاريع توسعية، فهناك إسرائيل التي تنبني إيديولوجيتها على التوسع والاستيطان، وهو جوهر ومضمون الحركة الصهيونية العالمية. تم إيران ليس كشيعة فقط، لأن هناك فرقا كبيرا بين شيعة العرب وشيعة الفرس، بل إيران كشيعة هاجسها التاريخي هو تحقيق حلم الإمبراطورية الفارسية، وتركيا التي تحلم باسترجاع الإمبراطورية العثمانية. وهناك طبعا الوهابية كدولة للخلافة الإسلامية.

فكل هذه القوى، وبالخصوص قوتين أساسيتين شيعة الفرس ووهابية الشرق، عينهم على المغرب الأقصى. ولا أظن أن سادة العدالة والتنمية وسادة الحركات الوهابية في المغرب على علم بما يصنعون. هم يعتبرون أنفسهم قادة معترف بهم من طرف الشرق وما هم إلا وسائل لتنفيذ مخططاته.

وتاريخيا لا يمكن أن تقوم دولة الخلافة بدون جزء ولو صغير من الغرب المسيحي. فشرعية دولة الخلافة مع جزء من تراب الغرب المسيحي، وهذا التراب هو تراب الأندلس وقيام دولة الخلافة إجباريا، في التاريخ وفي الجغرافية أن تمر بالمغرب، وذلك من أجل الوصول الى الأندلس. لهذا السبب يغازل الشرق المغرب، شيعة ووهابية.

ولماذا نجد الآن تغلغل إيراني، وأقول شيعي فارسي في إفريقيا الشمالية، وهناك تراجع خطير للزوايا الصوفية وللطرق وللحركات السنية بمختلف اجتهاداتها أمام مد شيعي فارسي في إفريقيا بشكل عام وفي شمالها بشكل خاص. وهناك الآن امتداد خطير جدا في وسط مسلمي الأندلس والإسبان الذين يغيرون ديانتهم إلى الإسلام يختارون شيعة الفرس. وهناك الآن أكثر من عشرين جمعية إسلامية فارسية شيعية تشتغل بالأندلس جنوب إسبانيا. ومثلها أكثر في البلدان المصدرة لليد العاملة إلى جنوب إسبانيا وبالخصوص من أمريكا الجنوبية. فهناك عمل خطير الآن في البارغواي وفي الإكواتور كدول أساسية لتصدير اليد العاملة إلى جنوب إسبانيا. فهناك عمل شيعي خطير سواء عن طريق الجالية اللبنانية والسورية. فكل الجمعيات النشطة تحت يافطة إسلامية هي جمعيات تابعة لشيعة الفرس، وحتى بعض المسؤولين في المراكز الحساسة بما فيها مناصب وزراء الخارجية أخذوها الشيعة في بعض دول أمريكا الجنوبية، ليس من أجل أمريكا الجنوبية، ولكن من أجل جنوب إسبانيا ونفس الشيء بالنسبة للوهابية.

إذن، فقادة الحركة الوهابية في المغرب أغلبهم يعملون من حيث لا يدرون في صناعة المخطط. وأنا أقصد ما أقول. ففي سنة 1990 كانت هناك زيارة لإيران كشف عنها السيد فضل الله الأمين العام السابق لحزب الله البناني الذي انسحب احتجاجا على تدخل إيراني في حزب الله اللبناني، فقال إنه التقى مع قادة الحركات الإسلامية المغربية والتونسية والجزائرية والمصرية بطهران لمبايعة الإمام الخميني آنذاك، كزعيم على الدولة الإسلامية الموحدة ضد قوى الاستكبار العالمية. ومن بين الحضور كان هناك من يمثلون المغرب من أجل المبايعة، وهذه ليست معلومات استخباراتية، بل بالعكس هي معلومات كشف عنها السيد فضل الله، في استجواب نشرته جرائد لبنانية.

إذا هناك من الحركات الوهابية وغير الوهابية من شارك في صناعة هذا القرار، لكن هناك أغلبية، هم وسائل لتنفيذ قرارات الشرق، ونحن نعرف أن هذا الأخير لم يعترف يوما بالمغرب، ليس في الجانب الإسلامي فقط، حتى في الجانب الحداثي. وأنت تعرفين ما حصل للمرحوم عابد الجابري من هجوم .

إذن أين تموضع جماعة العدل والإحسان في هذه الخريطة؟

في نفس الخريطة، فالحركة الوهابية ثلاثية الأبعاد: اتجاه سياسي، واتجاه دعوي، وآخر قتالي. فالعدل والاحسان اتجاه دعوي والعدالة والتنمية اتجاه سياسي والذين يقومون بالتفجيرات وهم التكفيريون هو اتجاه عسكري قتالي.

طيب لنمر إلى الساحة المغربية، ونتساءل هل المشهد الحزبي بالأساس مؤهل للخوض في هذا الثقل الذي رصدته ورصدناه من خلال أسئلتنا؟

نظريا نعم، ولكن عمليا لا. فالمشهد السياسي بالمغرب هو المشهد الوحيد في محيطه الجهوي والإقليمي الذي يعيش حيوية، من حيث التعددية الحزبية واختلاف الأطروحات والانتماءات والإجتهادات، لسبب بسيط كون المغرب عرف هذه التعددية ولو شكلية منذ استقلال 1956، عندما صدر ظهير الحريات العامة مع حكومة المرحوم عبد الله إبراهيم، والذي أعطى الحق لكل المغاربة ليؤسسوا أحزابا وجمعيات، رغم المنع والقمع، ورغم كل التحديات والإكراهات، لكن شكليا ونظريا، المغرب آمن بالتعدد. لذلك فالعمل الحزبي موجود بدون مشروع سياسي مع استثناءات قليلة، وبذلك عرف المشهد الحزبي المغربي انقسامات، و لم يعرف اجتهادات، وينطبق الأمر على الصفين الديمقراطي والمحافظ. لقد اعتمد المشهد الحزبي على زعامات فردية، ولم يعتمد على المنتوج الجماعي، لقد تربينا على ثقافة الولاء، وليس على الثقافة النقدية، وكل هذه العوامل وغيرها أدت إلى شيخوخة مبكرة، في الفكر والسياسة، ولا أقصد الشيخوخة البيولوجية. لقد كان من نتائج هذه الشيخوخة المبكرة عجز في التعامل مع التحولات والمتغيرات اليومية التي يعرفها المجتمع المغربي، مما جعل قوى أخرى ظلامية تعمل كالخفافيش في الظلام، وتنبت في المستنقعات، وقد تمكنت إلى حد ما من زمام الأمور، نظرا للفراغ الذي أنتجته هذه الشيخوخة المبكرة التي أصابت المشهد السياسي المغربي. وكما تعرفين فالطبيعة تخشى الفراغ.

هل سيستمر هذا المشهد في تكريس هذه الوضعية؟

أعتقد أن هذا المشهد لن يستمر في هذه الوضعية الهشة، لأنه رغم ما يمارس الآن من تدخل سافر وعلني في الشؤون الداخلية للأحزاب، وكل ما كنا نسمعه عن التدخل السري وعن جهاز الدولة في مرحلة معينة والمساهمة في الانشقاقات داخل الأحزاب. الآن أوكلت هذه المهمة لحزب بعينه.

من هو هذا الحزب؟

طبعا هو حزب العدالة والتنمية، وقد تدخل بشكل سافر في أحزاب وسماها بالاسم، وأنت تعرفين موقف هذا الحزب وقادته من الصراع الموجود داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، وقد تدخلوا لصالح زعيم ضد زعيم آخر. وهذا لم تفعله الدولة المغربية في تاريخ المشهد الحزبي في المغرب. وحتى الدولة عندما كانت تريد ذلك، فإنها تقوم به في إطار عملها السري. والعدالة والتنمية تقوم بذلك علانية، ومع سابق الإصرار والترصد، نفس الشيء تفعله العدالة والتنمية مع حزب الاستقلال، وهو يعيش حراكا داخليا، فيحشر حزب بنكيران أنفه في الشأن الداخلي لهذا الحزب ليدعم هذا الطرف ضد الطرف الآخر من خلال إطلاق الإشاعات، مستغلين موضوع محاربة الفساد إلى محاربة الأشخاص لتصفية حسابات ذاتية وحزبية ضيقة. والأمر لا يتعلق بهذين الحزبين، بل يتخطى حزب العدالة كل الخطوط ليتدخل في النقاش الحيوي الذي يعرفه حزب الاتحاد الاشتراكي من أجل التأثير على هذا الحزب في اختيار قيادته. كما أنهم يتدخلون في الشأن الداخلي لحزب الأصالة والمعاصرة، باختيار أناس في التعامل معهم وعدم التعامل مع الآخرين، بل في دفع البعض منهم إلى التعجيل بتشتيت الحزب. والعدالة والتنمية هي من أشاعت أن اتجاها يساريا مسيطر على حزب الأصالة والمعاصرة إلى غير ذلك من إشاعات تخدم أهدافهم في تسميم الأجواء، لكي تخلو الساحة وتصبح لهم وحدهم، وفي الهامش أحزاب تابعة، وكل من قال لا لهذا الحزب، يصبح عدوا ينبغي تدميره.

ألم تنعتوا بنفس الصفة في حزب الأصالة والمعاصرة بالأمس القريب؟

أبدا، لقد كذب التاريخ ذلك. فحزب الأصالة والمعاصرة لم يؤسس بقرار لا في الداخلية ولا في الخارجية، بل جاء في سيرورة مغربية مغربية، ساهم فيه كل من موقعه.

إن من فجر السياسة في المغرب هو الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي بحكومة التناوب. فقبل سنة 1998 لم يكن المغاربة يمارسون الصراع السياسي، فنحن كنا نمارس الصراع الفكري، والآخرون يلعبون الشطرنج. فقبول عبد الرحمان اليوسفي برئاسة حكومة التناوب وتأسيسه للمسلسل الدستوري الحالي بمصالحة الشعب مع السياسة ومصالحة المواطنين مع بعضهم البعض، وتوج هذا المسلسل في القصر الملكي إبان تقديم تقرير هيأة الإنصاف والمصالحة وتقرير الخمسينية..

لقد أسس لكل هذا بجرأة قل نظيرها، ولقد كانت للرجل شجاعة كبيرة في ذلك، كان من نتائجها العمل المشترك في مختلف المجالات، المبني على أواصر الثقة مابين أعداء الأمس، وترتبت عن ذلك حكومات وتصورات ومنظمات ومشاريع مجتمعية ومصالحات، كما ترتب عنها من بين كل هذا تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة. هذا الحزب تأسس بين الذين كانوا بالأمس لا يمدون الأيادي للسلام على بعضهم.

وعودة إلى حزب الاصالة والمعاصرة أقول للذين يتوهمون بانتهاء الحزب، أن هذا الأخير سيستمر وبروح التقريرين، وبالاجتهادات التي تأتي بها المرحلة، وسيعمل ولو لوحده ضد تكميم الأفواه بإصرار وتحدي لكل المعيقات ضد كل من يريد أن يأخذ هذا الوطن كرهينة ..

لماذا تقول إنكم ستعملون لوحدكم، أليس لكم حلفاء في ذلك؟

أنا أقصد ولو وحدنا. ولحدود الساعة ليس هناك حلفاء، بل هناك قوى أكثر منا دفاعا عن المشروع الحداثي الديمقراطي. وهناك قوى سياسية وفكرية دافعت عن هذا المشروع وقدمت التضحيات الجسام من حياة مناضليها شهداء وأحياء من أجل وطن يتسع لكل المغاربة، وأنا أستحضر هنا تضحية القوي التقدمية والديمقراطية من الخمسينيات إلى حدود اليوم.

هل هذا يعني أنكم تسعون إلى تأسيس جبهة للدفاع عن مغرب يتسع للجميع دفاعا عن المشروع الديمقراطي الحداثي، أي جبهة حداثية ضد الظلامية بمختلف مشاربها، كما ذكرت الدعوية والقتالية والسياسية؟

لقد بدأنا في هذا العمل سابقا، وتوقف إبان الانتخابات، من خلال لقاءات مع قادة بعض الأحزاب المغربية. وكانت هناك لقاءات مع قادة الاتحاد الاشتراكي وتوجت هذه اللقاءات بلقاء داخل مقر الاتحاد الاشتراكي بين المكتبين السياسيين وببلاغ مشترك. كما كانت هناك لقاءات مع أحزاب أخرى من أجل العمل المشترك في التصدي للمشروع الظلامي الإرهابي الذي يمارس الإرهاب والترهيب الداخلي و الإستقواء بالأجنبي، وما رسالة ذلك الزعيم إلى تلك السفارة واعتذار القائد على التبرعات إلا دليل قاطع على حقيقة ومضمون هذا المشروع.

ناهيك عن التعامل المفضوح مع المشرق، وأركز في هذا الاتجاه على أول فضيحة تحصل في تاريخ الحكومات في المغرب، أن يقبل السيد عبد الإله بنكيران أن يكون ضيفا في عطلته الصيفية على حكومة أجنبية، ويتعلق الأمر بوجوده على نفقة السعودية، وهذا انتهاك صارخ للسيادة المغربية، ولم يحصل ذلك حتى في زمن الحكومات التبعية، وحتى بنعرفة الذي كان صنيعة فرنسا في المغرب، لم يفعل ذلك. فالسيد بنكيران ينبغي أن يعرف أنه ليس رئيس حزب أو جمعية، بل إنه رئيس المغاربة. فهو رئيسك ورئيسي «كيسال في وكنسال فيه»، وعندما يقضي العطلة على حساب السعوديين، فهو يسيء إلى المغاربة. ولو قال للمغاربة إنه محتاج لوقفوا للحيلولة دون هذه الفضيحة بجمع مبلغ له بالإكتتاب. وأنا شخصيا كنت مستعدا لذلك بإعطائه المبلغ الذي خصصته لوالدتي للذهاب إلى الحج، للوقوف دون وقوع هذه الكارثة في تاريخ التدبير الحكومي في المغرب.

هذه هي الحقيقة المرة، والآن يجب على الصف الحداثي الديمقراطي أن ينتبه الى مايحاك ضده. ونحن في حزب الأصالة والمعاصرة منفتحون على جميع من يؤمن بالوطن كمشترك في البداية والنهاية.

patisserie