بإحدى الا زقة الهامشية بحي ازرو ضواحي اقليم انزكان ايت ملول ، ينتابك شعور بالرهبة وأنت تتقترب من أحد المنازل التي تضم بين جدران إحدى غرفها “رشيد” الذي ودع مرحلة الشباب منذ ثلاث سنوات ، واحتفل بعيد ميلاده 39 وهو يطفئ شمعات ظروف صحية جد متدهورة ، فهذا الاب لاربعة اطفال أكبرهم فتاة في 13 من عمرها وأصغرهم طفل في ربيع الرابع لم يكن يضن أنه سيصبح عالة أسرته الصغيرة وخاصة زوجته التي اختارت الرحيل من منزل الزوجية بعد أن ضاقت بها السبل وتركته يواجه مصيره لوحده برجل سقط لحمها واصبحت عمودا من العضام .

رائحة الموت

تزداد ضربات القلب خفقانا كلما اقتربت الخطى من منزل رشيد ، فالباب الحديدي الذي بدأت ألوانه تجف بفعل حرقة أشعة الشمس ، يواري وراءه قصة انسانية تقشعر لها الابذان ، فهذا المنزل لم يعرف منذ سنوات طعم الفرحة والسرور ، بل إن الموت أصبح يطوف حوله بحثا عن روح رشيد الذي اصبح يعاني ويقاسي من المرض الذي فتك برجله وجعلها مجرد عصى من العضام المتراصة

البداية

بدأت رحلة المرض التي عانى منها رشيد منذ حوالي خمس سنوات ، وأول مارآه من علامات المرض حبوب متناثرة بأجزاء متفرقة من جسده ، بدأت أحجامها تزداد مع مرور الوقت ،وتتسع رقعتها لتشمل رجله ، وفي كل مرة كان يضن أن الامر عادي ولايحتاج صرف المبالغ المالية ، فحالته المادية وهو الذي يعمل مياوما لم تكن تسمح له بخوض رحلة علاج طويلة الامد ، لذلك اكتفى في البداية بتناول عقاقير مسكنة ، ولم يبخل على جسمه ببعض الاعشاب والوصفات الشعبية التي تلقفتها أذنه وهو بين أصدقائه في الحي على كراسي المقاهي الشعبية

تطور مفاجئ

تطورت الحالة الصحية لرشيد نحو الاسوء ، فالحبوب أصبحت أكيااسا من الماء ، وفي كل مرة تتقيح الواحدة تلو الاخرى ، والغريب انها بدأت في التفرخ والانتشار بشكل جعله يضطر زيارة الطبيب ، ومع مرور الوقت بدا العجز والوهن يدب نحو رجله التي اصبحت ثقيلة عليه ، حتى أنه لم يعد يقدر حملها ، ولم يكن أمامه سوى العودة الى المنزل مع قصر ذات اليد وكثرة طلبات الاطباء من تحاليل وأدوية ووصفات تكون مذيلة بأثمنة يصعب عيله توفيرها

الام المكلومة في ابنها

التقت اليوم 24 الام فكانت كالتائهة في الصحراء تبحث عن ظل تحتمي اليه ، تلقت اتصالنا بفرح كبير ، لم يكن من الممكن منعها من الحديث ، فبدأت تسابق الدموع لوصف حالة ابنها الذي اصبح في حالة يرثى لها “بدأت قصة معانات ابني منذ سنوات وحتى زوجته فقد اضطرت الذهاب عند عائلتها بمنطقة شتوكة ، وابني اليوم يعيش نهايته ولاشك في ذلك ، ابناءه لم يعودوا يرونه ، وحتى هو فقد اصبح بفعل حبوب أخرى ظهرت على جلدة رأسه لايطيق الحديث مع أحد وأصبح عصبيا وقد تمر أيام دون أن يكلم أحدا ، وأملي اليوم ان يتدخل محسنون ويتكفلوا بحالته الصحية التي تزداد سوءا ، فاليوم أنا مقسمة بين الحفاظات التي اضطر وضعها له وهو في هذا العمر ، وبين البحث عن محسنين يتكفلون بحالته ، حتى ان الاطباء رفضوا الافصاح عن مرضه… واش السيدا اولا الكونصير المهم الله ياخد بينا وصافي ”

الاب مقعد على كرسي متحرك

والد رشيد ليس باحسن حال منه ، فإصابته بمرض السكري وعدم التزامه بالحمية اللازمة وجهله بتبعات المرض الفتاك ، جعله يدخل في سلسلة من المشاكل الصحية بدأت برجليه اللتان انتفختا واصيبتا باورام ، وبعد زيارة الاطباء لم يكن امامه سوى حل وحيد هو بثر الرجلين ، وهو ماكان بالفعل ليستسلم الرجل الذي كان معيلا للاسرة للقدر ، ويكتفي بكرسي متحرك هو اليوم نصفه الثاني ، ولاتكاد تحصل منه على كلمة او جملة بفعل تأثره البالغ بحالة ابنه رشيد الذي أنساه محنته ، بحيث كان يظن أنه سيعوضه عجزه عن الحركة وإذا به يلتحق به في ركب “المعاقين”

“مُحسِن “الفايسبوك

تروي الام ماوقع قبل سنيتن ” جاءت سيدة واطلعت على الحالة الصحية التي يعيشها ابني رشيد ، وطلبت مني أخد صور وفيديو له ، وحينها كان يأمل أن تنتهي معاناته وقبل الفكرة ، وبعد أيام اصبحت حديث “الدريبة” فجل النسوة اللواتي التقيهن يقلبن علي المواجع “راه تصويرت ولدك كاينا فالفاسيبوك” سئمت- تضيف الام بنبرة حزينة- الامر ، وقررت مقاطعة الخروج من المنزل ، إلى أن رن الهاتفت صباح ، وأجبت فإذا بصوت رجولي يقول “ام رشيد هادي” اجبته “اييه اسيدي مادِّيدِي إِيلاَّنْ (من معي يالامازيغية) ” حينها تضيف الام “أحسست بملاك يحوم حول رأسي فالامر يتعلق بمسحن رفض الفصح عن هويته ووعدني بنقل ابني الى إحدى المصحات بأكادير ، بوالفعل حضرت سيارة اسعاف وحملت ابني وقضى بالمصحة أشهرا وخضع لعدة عمليات جراحية واجريت له تحاليل ، وبعدها عاد الى المنزل

الخبر الحزين

غادر رشيد المصحة ، وانزوى في البيت من جديد ، المحسن قام باللازم زيادة حسب تعبير الاسرة ، ولكن الوضع الصحي لرشيد بدأ يتدهور ، فالوصفات الطبية كانت ثقيلة بالادوية ورحلة العلاج كان يجب ان تستمر ، ولكن لظروف مادية صعبة توقفت ليعود رشيد برجل لاتصلح لاي شيء ، وجعلته مقعدا وغيرت نفسيته ، واصبح عصبي المزاج ، لايتقبل الحديث والكلام

نداء انساني

حال العائلة اليوم وفي هذا الشهر الفضيل لايمكن تصوره كما يتم تصوير موائد الافطار التي تبث عبر مواقع التواصل الاجتماعي مليئة بالخيرات والشهيوات، فالفرحة غائبة تماما في هذا المنزل ، وآذان المغرب يحل عليها بطاولة صغيرة تتضمن “حريرة” وحليبا وبعض المعجنات بالاضافة الى حبات من التمر التي لم تعد حلوة المذاق ، والسبب هو الانين القادم من احدى الغرف بالطابق العلوي حيث يمكث رشيد ويقضي الساعات الطوال في انتظار وصول أجله ، أنين تلتقطه آذان الجالسين على المائدة في كل لحظة ودقيقة ويتجاهلونه ، ولكن في هذه الاوقات حيث تنقص الحركة ويصفو الجو ينطلق صوت رشيد من غرفته موجها رسالة للمحسنين للتدخل وانقاذه ووضع حد للجحيم الذي يعيش فيه .

سعيد مكراز

patisserie