في سابقة خطيرة يمكن اعتبارها مساسا بمقتضيات الدستور المغربي، وتهديدا للأمن والسلم اﻻجتماعيين وتنكّرا لكل قيم التسامح والتعايش، بل وحضّا على الكراهية والتعصب، وفي وسلوك استفزازي مباشر أقدمت إحدى شركات التأمين على نزع يافطات تتضمن الترجمة الأمازيغية بحرفها تيفيناغ بعد تثبيتها بيوم واحد من إحدى وكالاتها الموجودة في مدينة تنغير.
بعد مراسلة الشركة من جانب صاحب الوكالة شهر نونبر سنة 2015 بخصوص تثبيت اللوحة الاشهارية وإدماج الأمازيغية فيها، جاء الجواب بالرفض لكون العلامة التجارية المسجلة لا تتضمن حرف تيفيناغ، وهو ما اعتبره صاحب الوكالة أمرا واقعا يتجاوزه، وجعله يمضي العقد رغم كل المحاولات التي قام بها سلفا ليقنع الشركة أن من شأن إدماج الأمازيغية تشجيع الساكنة على الإقبال على خدمات الوكالة.
صاحب الوكالة وفي اتصالنا به، أكدّ أنه تفاجأ وهو يرى الأمازيغية مدمجة في اللوحة الاشهارية منذ أيام واستبشر خيرا بذلك، لكن فرحته وفرحة الساكنة بهذا السبق لم تدم طويلا حيث اتصل به مسؤولو الشركة ليشعروه بضرورة حذف الكتابة الأمازيغية، ورغم محاولاته التدخل للتراجع عن القرار، إلا أن مسؤول الشركة زاره في المكتب وأخبره أنه في تنغير لحذف اللوحات التي تتضمن الأمازيغية يوما بعد تثبيتها.
لماذا يا ترى تراجعت الشركة عن إدماج الأمازيغية؟؟؟ قد يقول قائل أن المسألة قانونية محضة تهم كون العلامة التجارية للشركة مسجلة دون ترجمة أمازيغية كما أشرنا إليه أعلاه، فليكن ذلك جوازا، لكن لماذا تمّ تثبيت اللوحة بعد تقديم هذه الذريعة ؟؟؟ أليس بالشركة مستشارون قانونيون يدركون جيدا ما يسمح به القانون وما يعاقب عليه بخصوص الالتزامات والعقود؟؟؟ هل شاء القدر أن يقع ما وقع في مدينة تنغير أم أن الأمر أكبر من ذلك خصوصا أن تنغير لها تاريخ نضالي أمازيغي كبير، فهي مدينة التحدي والملاحم الأمازيغية بامتياز؟؟؟
على أي، كان على الشركة المعلومة أن تحترم الأمازيغية والأمازيغ، وتبادر إلى إنصاف الأمازيغية وهي التي تدرك جيدا حجم تعلق زبنائها بأمازيغيتهم في هذه الربوع، كان على من أصدر أوامر نزع اللوحة الإشهارية المتضمنة للأمازيغية أن يعي حجم خطورة هذا التطاول على لغة الوطن وبالمكشوف، إن على مستوى إشعاع الشركة ومصلحتها الاقتصادية أو على التفاعل مع التوجهات الجديدة وشعارات التغيير الذي يتأكد أنه مؤجل إلى أجل غير مسمى.
لقد كان التصرف الذي أقدمت عليه الشركة التي يفترض أن تكون نموذجا لنظيراتها وهي المجموعة الغنية عن كل تعريف، تصرفا تحقيريا للإنسان اﻻمازيغي وموروثه الحضاري الزاخر والضارب في التاريخ، واعتبارا للمواطن الأمازيغي مجرد رقم في المعاملات الاقتصادية في الرأسمالية المتوحشة، ولن يمرّ هذا السلوك دون تكبيد الشركة ووكالتها في تنغير وغيرها من المدن خسائر كبرى خصوصا في ظل دعوات للشباب لمقاطعة خدمات المجموعة، مما يعتبر قصورا في فهم الشركة لزبنائها وخصوصيتهم.
بالمختصر المفيد، نتوجه إلى كل الشركات والمقاولات المغربية إلى المبادرة إلى إنصاف الأمازيغية في هويتها البصرية ولوحاتها ووصلاتها الإشهارية، والتصالح مع ذاتها وتاريخها وكيانها الحقيقي، والعمل على إحترام زبنائها ومستخدميها قاطبة، مساهمة منها في التأسيس لمجتمع التعدد والتنوع الذي يفتخر بقيم التعايش والتسامح الفعليين.
ختاما، سنقول أن الخواص إنما تلمّسوا النكوص والتملص الحكوميين في قضية الأمازيغية، مما جعلهم، عن حقد أو جهل أو خوف، يحذون حذوها، ليستمر بذلك مسلسل اغتيال مكتسبات ما بعد 2011، والحال هذه، نحمل الدولة المغربية وحكومتها مآلات هذه السلوكات التي تعود بنا عقودا إلى الوراء وتكرس النظرة الدونية للمؤسسات الحقوقية الدولية إلى بلادنا.
بقلم: لحسن أمقران

patisserie