حالات الغضب الملكي التي تتجسّد في قرارات عزل وتنقيل مسؤولين، وفتح ملفات ضخمة أمام القضاء واعتقالات وغيرها من نتائج ما بات يعرف بالغضبات الملكية، تمتدّ لتجد آثارها في السياسة الخارجية للمملكة، حيث لم يعد المغرب في السنوات الأخيرة يخفي ردود فعله القوية تجاه الأصدقاء كما الخصوم، المتمثلة في رفض الرد على اتصالات الرؤساء الأجانب، كما حصل مع فرانسوا هولاند والرئيس النيجيري السابق كودلاك جوناتان.

فيما تجسّدت ردود فعل الغضب المغربي في حالات أخرى في رفض الاستقبال أو الترحيب، كما وقع مع الأمين العام الأممي بان كي مون ومبعوثه الشخصي كريستوفر روس، وضربات إعلامية عبر التلفزيون العمومي، كما حدث في الفترة الأخيرة مع مصر والعربية السعودية، حيث بث الإعلام العمومي تقارير تصف الأول بالانقلابي وأخرى تصف التدخل العربي في اليمن بالعدوان.

غضبة على هولاند بسبب الحموشي

إحدى أكبر وأشهر معارك الدبلوماسية الهجومية الأخيرة للمغرب، والمقترنة بالغضب الملكي، هي تلك التي دارت مع فرنسا طيلة أكثر من عام، بعدما أقدمت السلطات الفرنسية يوم 20 فبراير 2014، على محاولة التحقيق مع مدير المخابرات الداخلية للمغرب، عبد اللطيف الحموشي. حادث دبلوماسي بأبعاد أمنية شديدة الحساسية، لم تشهده العلاقات المغربية الفرنسية في عز سنوات التوتّر التي تخلّلت عقد الثمانينيات بين الملك الراحل الحسن الثاني والرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتيران، لكن الأزمة الأخيرة اتسمت ببصمات خاصة للملك محمد السادس، ولم تنته إلا باستقباله شخصيا في قصر الإليزيه وتوالي زيارات الحموشي الرسمية إلى باريس لعقد جلسات العمل مع المسؤولين الأمنيين هناك.

الردّ الرسمي للمغرب كان بيانا غير معتاد أصدرته وزارة الخارجية المغربية، شجبت فيه الحادث، بعدما قامت باستدعاء السفير الفرنسي بالرباط، شارل فري، حيث أبلغته الوزيرة المنتدبة في الخارجية، امباركة بوعيدة، احتجاج المغرب القوي لما اعتبرته “إجراءات فجة ومنافية لقواعد الدبلوماسية…”.

المملكة اتخذت قرارا حازما يتجسّد في تعليق جميع الزيارات واللقاءات الرسمية بين المغرب وفرنسا. مكالمة هاتفية من الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند قال بلاغ للديوان الملكي بلغة دبلوماسية إنها شهدت تقديم الرئيس الفرنسي لتوضيحات حول الحوادث الأخيرة التي زلزلت علاقات البلدين، إلا أن تلقي القضاء الفرنسي شكاية ثانية ضد الحموشي أجج الغضب المغربي.

لحظة الغضب الملكي المباشر كشفتها مجلة “جون أفريك”، التي أعلنت كيف أصبحت مكالمات هولاند دون ردّ من داخل الديوان الملكي، وشكّل تجميد الاتفاقيات القضائية والتعاون الأمني أكثر قرارات المغرب إيلاما لباريس. هذه الأخيرة تحرّكت بعد شهور من الجفاء، وإثر الضربات الإرهابية التي هزّت فرنسا، خاصة العملية التي استهدفت مجلة “شارلي ايبدو”، لتستعيد الودّ المغربي والخدمات الأمنية الثمينة في مواجهة كومندوهات العائدين من معسكرات داعش في سوريا والعراق.

غضبة على جوناتان بعد ادعاء مكالمة الملك

نموذج آخر لانطباع الردود الرسمية للمغرب على تجاوزات الأطراف الخارجية في حقه بالغضب، تجسّد في نيجيريا. فرغم الضعف الذي تتّسم به العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وقلة المصالح التي تربط بينهما، تحوّل موضوع سعي الرئيس النيجيري السابق إلى الحديث هاتفيا مع الملك محمد السادس قبيل الحملة الانتخابية الرئاسية في نيجيريا، إلى أزمة دبلوماسية حقيقية، بتبادل البيانات والبيانات المضادة، وإقدام المغرب على استدعاء سفيره من أبوجا لـ”التشاور”، وهي الخطوة التي تعني انسداد أفق العلاقات بين الدولتين.

فبعد ثلاثة أيام من صدور بلاغ للديوان الملكي المعلن عن رفض الملك محمد السادس الرد على مكالمة الرئيس النيجيري كودلاك جوناتان شهر مارس من العام الماضي، ردّت الخارجية النيجيرية ببلاغ مضاد، قالت فيه إن الرئيس النيجيري تحدّث فعلا إلى الملك محمد السادس خلال فترة وجوده في الديار الفرنسية، وإن الأمر ليست له أية علاقة بالأجندة الانتخابية الداخلية لنيجيريا.

مضامين البلاغ الذي أصدرته الخارجية النيجيرية، كشف عن فداحة الأضرار التي سبّبها إعلان المغرب رسميا رفض الملك الرد على مكالمة الرئيس النيجيري، حيث وجّه البلاغ توضيحات بنبرة تحذيرية للإعلام النيجيري المحلي، من أجل تفادي نقل الأخبار عن مصادر “خارجية” والكف عن ترديد الخبر الذي أعلنه المغرب، لكون المكالمة “جرت بالفعل”.

ادّعاءات دفعت المغرب إلى الإقدام على خطوة تصعيدية جديدة في الدبلوماسية الجديدة للمملكة، حيث قام باستدعاء السفير المغربي لدى نيجيريا من أجل “التشاور”.

الخارجية المغرب أصدرت بلاغا آخر قال إنه “على عكس ما زعمته السلطات النيجيرية لدى سفير صاحب الجلالة بأبوجا ووسائل الإعلام المحلية، فإن المملكة المغربية تؤكد، بشكل واضح وحازم، أنه لم يتم إطلاقا إجراء أي اتصال هاتفي بين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، ورئيس هذا البلد”.

وأضافت الوزارة أن الملك محمد السادس رفض طلب السلطات النيجيرية إجراء مكالمة، “بالنظر لكونه يندرج في إطار المناورات الانتخابية الداخلية، وبالنظر للمواقف العدائية لهذا البلد إزاء الوحدة الترابية للمملكة”.

فيما عبّر بلاغ آخر أصدره الديوان الملكي عن “اندهاش” المملكة “للادعاءات الغريبة لنيجيريا، التي تحدثت عن إجراء اتصال هاتفي مزعوم لم يتم إطلاقا، بين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله والرئيس النيجيري”.

غضبة على السيسي بعد سخرية الإعلام المصري

الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي، ورغم الموقف الرسمي الذي اتخذته المملكة انسجاما مع موقف حلفائها الخليجيين، والقاضي بالإقرار بشرعية سلطته، إلا أنه لم يسلم من الغضب المغربي حين كاد يتجاوز الخطوط الحمراء.

فقبل أن يجفّ الحبر الذي كتبت به وكالات الأنباء الدولية خبر توقيع وزيري النفط والطاقة المصري والجزائري، على اتفاقية لتزويد القاهرة بالغاز المسال الجزائري، وفي الوقت الذي كان الملك محمد السادس يوجد في ضيافة الخصم الأول والعدو اللدود للنظام المصري، أي الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان بداية 2015؛ كانت القناتان الرسميتان المملوكتان للدولة المغربية، توجّهان قصفا قويا وغير مسبوق للنظام المصري ورئيسه عبد الفتاح السيسي.

القناة الأولى التابعة للقطب الإعلامي العمومي، خصّصت دون سابق إنذار ولا مناسبة، تقريرا حول الوضع السياسي المصري، استعملت فيه عبارات لم يسبق لها استعمالها حتى في لحظات ذروة الاضطراب والصراع داخل مصر، من قبيل “الانقلاب الدموي” واعتبرت السيسي قائدا لهذا الانقلاب ضد “الرئيس المنتخب”، أي الإخواني محمد مرسي.

القناة الثانية بدورها فاجأت المتتبّعين، وقبل أن يتبدّد ذهول المشاهدين من تقرير زميلتها الأولى، حيث حاولت قناة عين السبع أن تبدو أكثر مهنية، وخصّصت تقريرا، بدون سياق ولا مناسبة، للأزمة التي تضرب السياحة في مصر، مفسّرة إياها بالاضطراب السياسي، لتستعمل بدورها نفس عبارات القناة الأولى في تسمية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالانقلابي، وبكون الجيش المصري بات منذ الإطاحة بحكم محمد مرسي يحكم قبضته على مفاصل الدولة، وأن كل المحاولات التي جرت حتى الآن لإعادة الأمن والاستقرار لم تفلح في إرجاع السياحة المصرية إلى سكة ما قبل 2011.

هذا الهجوم المفاجئ كان ردا على الهجومات الإعلامية المصرية المتكررة ضد المغرب، والتي قال مصدر دبلوماسي إنها مسّت “مؤسسات البلاد”، في إشارة إلى المؤسسة الملكية، وكانت الأكثر تأثيرا في العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

مصدر فضّل عدم الكشف عن هوّيته، قال إن الطريقة التي تحدّث بها المذيع المصري محمد ناصر، من قناة “مصر الآن”، عن الملك محمد السادس وسخريته من خبر الطائرات التي رافقته في رحلته إلى تركيا، أغضبت المغرب كثيرا، لدرجة أن اتّصالا قام به وزير الخارجية والتعاون صلاح الدين مزوار، مع نظيره المصري بهذا الخصوص، “والوزير المصري تبرأ من تلك الواقعة وأكد ألا علاقة لها بالمواقف الرسمية لمصر، موضّحا أن تلك القناة تبث من تركيا وأنها مرتبطة بالإخوان المسلمين…”.

اعتذار لم يكن كافيا، حيث غادر السفير المغربي لدى مصر، الوزير السابق سعد العلمي، القاهرة والتحق بالمغرب، وتطلّب الأمر زيارة وزير الخارجية المصري للرباط لطي صفحة هذا الاصطدام.

 

المصدر: الأيام 24

 

patisserie