يبدو أن بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة، ما يزال يعاني من سوء الفهم، حول المعنى الحقيقي للحياد المفروض في كبير الأمميين. ففي بيانه الأخير حول موضوع الجهود الجبارة التي يقوم بها المغرب في منطقة “الكركارات” من أجل تأمين حدود صحرائه، بدا بان كي مون منحازا مرة أخرى للبوليساريو، وهو يطبّْع مع مخاوف الانفصاليين التي عبر عنها زعيم الجبهة الذي تتحكم فيه المؤسسة العسكرية الجزائرية، من خلال رسالته الموجهة إلى مجلس الأمن.
والملاحظ، أن بان كي مون، يسير في اتجاه تأزيم الوضع في المنطقة، بدل إيجاد حل جذري يحفظ للصحراويين المحتجزين كرامتهم، من خلال رمي الكرة في الملعب المغربي، تماما كما حصل أثناء زيارته الأخيرة للمنطقة.. إذ كيف يحصل تناقض صريح بين الأمين العام للأمم المتحدة وبين فرحان حق نائب المتحدث الرسمي باسمه؟ فهذا الأخير خلص من خلال التحقيق الذي قامت به البعثة الأممية بين 16 و17 غشت الجاري، في شأن اتهامات البوليساريو للمغرب بالتحرك في منطقة “الكركارات” المنزوعة السلاح، أن هذه البعثة لم تلحظ أي تواجد عسكري أو معدات عسكرية في المنطقة، اللهم آليات مدنية تعبر الجدار الدفاعي المغربي..
في حين حاول بان كي مون من خلال بيانه الأخير أن يبرز البوليساريو بالصورة التي يريدها هو، من خلال الإيهام بوجود عناصر توتر، ناتجة عن تواجد عسكري لا وجود له أساسا.. وبالتالي يكون بان كي مون قد عارض ما قاله فرحان حق نائب المتحدث الرسمي باسمه.
والملاحظ، أنه بعد الانتصارات الديبلوماسية المتلاحقة التي حققها المغرب من أجل التأكيد على مغربية صحرائه، وبعد الضربة الموجعة التي وجهها الملك محمد السادس لهذا الكيان الوهمي، من داخل الاتحاد الإفريقي، وأيضا بعد حالة التيه المتقدم التي يعيشها الانفصاليين مع زعيمهم الجديد إبراهيم غالي، فإنه لم يتبق للبوليساريو سوى افتعال الأزمات مع المغرب، حتى تلفت الأنظار إليها من جديد، وهو ما قامت به في قضية “الكركارات”. لكن أن ينحاز بان كي مون لهذا الطرح، فهذا خرق سافر للأمم المتحدة، خاصة إذا علمنا أن بان كي مون حاول في بيانه الأخير الإيهام بأن المغرب والبوليساريو يقفان على قدم المساواة من أجل توتير الأجواء.. وهذا جهل كبير وافتراء عظيم على المغرب الذي يشهد العالم بأسره، أن الدور الذي يقوم به في المنطقة، جنبها أن تتحول إلى بؤرة توتر، خاصة وأن المنطقة، انطلاقا من شمال موريتانيا مرورا بجنوب الجزائر وشمال مالي، تمثل مثلثا خطيرا ينتعش فيه الإرهاب والاتجار في البشر والمخدرات والتهريب واستفحال تجارة الأسلحة في السوق السوداء، والتي يقول أكثر من تقرير أن البوليساريو طرف أساسي في كل ما يجري من تجاوزات خطيرة في هذه المنطقة. فضلا على أن قياديي البوليساريو ظلوا منذ سنوات يهددون بالعودة إلى حمل السلاح، وخرق اتفاق وقف إطلاق النار المبرم سنة 1991 بين المغرب والبوليساريو.
فمن يجنح إلى خلق أجواء من التوتر في المنطقة ؟ وهل نسي بان كي مون أنه نفسه، حينما استفز المغرب في زيارته الأخيرة للمنطقة المنزوعة السلاح، منح الشرعية للبوليساريو بالعودة لحمل السلاح، برفعه لشارة النصر وتحية علم دولة وهمية غير معترف بها في الأمم المتحدة التي يرأسها.

patisserie