تصدر قرار منع البرقع في المغرب صفحات و عناوين الجرائد في اليومين الأخيرين ، كما دبجت بشأنه الجمعيات الحقوقية بيانات التنديد و الإدانة ، و أدلى بشأنه راواد المواقع الإجتماعية مواقفهم بين مؤيد و معارض ، وحسب ما يبدو في عنواين الجرائد فقد فقد تم إلحاق نعت – الأفغاني – بالبرقع ، والحقيقة أن ذلك لا يجانب الصواب في شيء ، باعتبار البرقع منتوج أفغاني بامتياز. و بين هذا و ذاك ضاعت الرؤية العميقة للموضوع ولم يتجاوز التناول حدود السطحية و الإنطباعات العاطفية ، مما يستدعي إثارة جوانب كثيرة لعل التناول يفضي إلى شيء ، كي لا نخوض في متاهة تحشرنا في نفق الميتافزيقا ، إي في خطاب مفارق للواقع و التاريخ ..
من وجهة نظر حقوقية ، قد يكون البرقع من الإختيارات الشحصية التي يجب فعلا إحترامها ، لكن المسألة لا تتوقف عند هذا الحد ، فلو سألنا النساء اللواتي يلبسن بالشكل الأفغاني عن سبب ذلك ، لكان الجواب بأن هذا اللباس هو اللباس الإسلامي الشرعي. وهنا تكمن المشكلة ،لأننا والحالة هاته نجد أنفسنا أمام مشروع أيديولوجي ضخم مسنود إعلاميا و ماليا من دول إقليمية معروفة يسعى إلى تحقيق إختراقات داخل المجتمع ، مشروع تمظهر في الآونة الأخيرة عبر سلوكيات محاصرة النساء في الشارع و تهديهن و مطالبنتهن باحترام ما يسمى اللباس المحتشم ، حالة فتاتي إنزكان ، وفتاة في آسفي ،وليس من شك أن ذلك تعبير عن ثقافة بدأت تتشكل بفعل المد الوهابي إعلاميا ومدرسيا ، وعبر تنظيمات جمعوية دعوية تعمل تحت غطاء الخير و الإحسان.، ويتضح من خلال هذا التشخيص أنه لا يمكن فصل البرقع عن هذا المشروع الظلامي النكوصي الذي يسعى إلى سحق ثقافة التعدد و الإختلاف التي ميزت المجتمع المغربي منذ قرون خلت ، ونحن هنا لا نعيب على الجمعيات الحقوقية دفاعها عن حرية الأشخاص خاصة النساء في اختيار شكل لباسهن ، لكن وجب مساءلة أصحاب هذا التوجه البرقوعي :
هل هم مع الحريات الفردية أم لا ؟ هل هم مع حرية المعتقد أم لا ، هل هم مع منظومة حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها كونيا أم لا ؟
أكيد لن يكون جوابهم غير لا ، و أن حقوق الإنسان هرطقة و كفر و اعتداء على حقوق الله و حاكميته ، وحرية المعتقد ردة وجب قتل أصحابها وما إلى ذلك من أحكام ما أنزل الله بها من سلطان ، ولا توجد سوى في ذهنيتهم الفصامية المفارقة للتاريخ ….
فهل هناك من معنى لهذا الدفاع الحقوقي عن مشروع أيديولوجي يعادي في الأصل ثقافة حقوق الإنسان ؟
هذا من جانب و إذا احتكمنا إلى الواقع ، فيجب أن نسأل أهل البرقع- البراقعة – : ألا يوجد في اللباس المغربي الأصيل ما يفي بالغرض الذي من أجله جيء بالبرقع ليكون دخيلا علينا ؟ إذا كان الجواب لا وهو طبعا كذلك – حسب منظورهم – ،فبمعناه أن اللباس المغربي لباس لا يرتضيه االه لإمائه وهنا تحضر الأيديولوجيا مرة أخرى كما أسلفنا ..
و إذا كان الجواب نعم وهو مستبعد ، فالمشكلة هنا أخطر ، لأنه يستوجب مساءلتهم من جديد : لماذا إذن أدخلتم علينا برقع الطالبان للقضاء على هويتنا وثقافتنا وحضارتنا ؟ طبعا لن يجدوا جوابا مقنعا ، إنما سيسقط عنهم قناعهم الأيديولجي الذي سقط فعلا من زمان بالنسبة للعارفين بأمورزواحف و سحليات الصحراء المسمومة هاته ..
وعودعلى بدأ نحن مع الإختلاف ومع كونية حقوق الإنسان وشموليتها ، ومع الثقافة الديمقراطية بعمقها التنويري و الحداثي ، لكن إذا تشبت و آمن بها الجميع حتى يتسنى لمختلف التعبيرات الهوياتية و الثقافية التعبير عن ذاتها دون خوف دون ذلك يصعب على المرء الإنخراط في العبث ، مع التأكيد على أن قرار الداخلية تشوبه الكثير من العيوب لأن توازنات المجتمع لا تصنعها القوانين وحدها ، بل يقتضي الأمر في أول المقام إرساء منظومة تربوية متنورة تقطع مع الداعشية و تؤسس للإختلاف و قبول الآخر ….
حي على التنوير ، حي على الحداثة من مدخليهما الحقيقييين : التربية و لا شيء غير ذلك ……
Il n y a rien de plus dangereux que si l ignorance et l intolérance sont armées de pouvoir ..
……Voltaire……………
……………………………الطالبي……………………..

patisserie