مسؤول تونسي سابق يتحدث عن الجهات التي ضغطت لترحيل الأمير مولاي هشام

لم يكن التونسيون يسمعون بالأمير المغربي، هشام بن عبد الله، قبل أن ترحله سلطات بلادهم، وبشكل يبدو غير لائق، حيث تم إخراجه من النزل الذي كان يقيم فيه، ودفعه باتجاه المطار الذي غادره على عجل، من دون أن يتمكّن حتى من معرفة ما ارتكبه لينال هذا الجزاء. فما الذي دفع من طوّقوه إلى معاملته بشكلٍ لا يليق، خصوصا وهو الذي ظل يثني على فرادة التجربة التونسية في انتقال ديمقراطي أشاد به مرات عديدة.

والغريب أن الرجل ظل على موقفه هذا حتى بعد ترحيله، فقد أعاد التنويه بتجربة تونس في الانتقال الديمقراطي، شاكرا في الآن نفسه التونسيين، والنخب تحديدا، على موجة التعاطف معه التي عبروا عنها بمخلف أطيافهم. وكان ما جرى خطأ جسيما اقترفته السلطات التونسية، والإعلام الموالي لها. وقد أذاعت قنوات أجنبية، خبر الترحيل، في حينه، وجعلت الأمير واحدا من ضحايا الدولة العميقة والحنين إلى ممارسة الاستبداد.

جرى ذلك كله في تزامنٍ مربك مع انشغالات الطبقة السياسية، وحتى عموم التونسيين، بالتعديل الوزاري والتجاذبات الحادة في البلاد على خلفية مشروع قانون المصالحة والانتخابات البلدية المقرّر انتظامها في ديسمبر المقبل، فضلا عن شواغلهم اليومية. ويبدو مما تسرب من معلومات ظلت شحيحة أن زيارة الأمير هشام كانت لمشاركته في ندوة نظمتها جامعة أميركية، بالتعاون مع أوساط علمية ومدنية تونسية.

صُدم التونسيون من خبر ترحيل الأمير، فقد صاغت بلادهم دستورا فريدا في الوطن العربي، يمنع تسليم اللاجئين، ويؤكد ولأول مرة عربيا على مبدأ الحريات الأكاديمية التي خصها بفصل منفرد، وتستوجب، كما تنص المعايير الدولية، منع طرد الباحثين أو ترحيلهم أو ممارسة رقابة على أنشطتهم الأكاديمية، فضلا عن ضمان حرية التعبير. ومع ذلك حدثت بعد الثورة انتهاكات “صغيرة”، وتخشى أوساط حقوقية أن يتعاظم الأمر، ليغدو سياسة ممنهجة تنقلب على ما تحقق من مكتسباتٍ نالها الشعب التونسي بعد تضحيات جسام، وعقود من الاستبداد والنضال الدامي، والقاسي أحيانا، فضلا عن مئات من شهداء الثورة.

لذلك كانت ردود الأفعال حازمة، إذ توافقت أكثر من عشر جمعيات ومنظمات حقوقية ونقابية مرموقة، منها الرابطة التونسية لحقوق الإنسان والجامعة العاملة للتعليم العالي (نقابة الجامعيين المنضوية تحت الاتحاد العام التونسي للشغل) على بيان شديد اللهجة، اعتبرت فيه ترحيل الأمير هشام من تونس، فضلا على أنه ينتهك الدستور، يسيء لصورة البلاد، ويطلق يد السلطة التنفيذية لإجهاض ما ناضل من أجله التونسيون عقودا، وكان أحد أسباب ثورتهم. وطالب ناشطون ومثقفون بفتح تحقيق في الواقعة، ومحاسبة من ارتكبوا هذا الجرم الجسيم، خصوصا وأن الأسباب التي دفعت السلطات إلى اتخاذ هذا الإجراء غامضة، فالرجل لم يدل بأي بتصريحات مسيئةٍ إلى تونس، أو إلى المغرب. وعلى افتراض أن ذلك حدث، فإن ترحيله بتلك الطريقة يظل خرقا لدستور البلاد، فضلا على أن الرجل حل بتونس، ليشارك في نشاط أكاديمي، لا علاقة له بالأنشطة السياسية المباشرة، كما وفد إلى تونس للمناسبة نفسها مفكرون وأكاديميون أميركيون مرموقون، منهم فوكوياما وداري ديامون.

لا تزال كل فرضيات التصعيد مطروحة، خصوصا أن أطيافا في المجتمع المدني تخشى أن تكون الحادثة جس نبض تعمد إليه حاليا جيوب الدولة العميقة التي انتعشت مواقعها، بعد التعديل الوزاري أخيرا، والذي أعاد بعض وزراء المخلوع بن علي.

ردود أفعال السلطات التونسية محتشمة وضبابية، على الرغم من أن الصحافة الحكومية المكتوبة، وحتى القنوات التلفزية، تحدّثت عن امتعاض مؤسستي رئاستي الجمهورية والحكومة مما حدث. وكتبت مستشارة الرئيس والمناضلة النسوية السابقة، سعيدة قراش، إن ترحيل الأمير هشام كان قد اتخذ “وفق إجراءات إدارية آلية، لم يتم الرجوع فيها إلى المسؤولين”، ورئاسة الجمهورية مستاءة مما حدث. ومع ذلك، ظلت هذه التصريحات غير مقنعة للرأي العام، خصوصا وأن تسريباتٍ تؤكد أن رئاسة الجمهورية كانت على علم بقدوم الأمير المغربي، وهي من اتخذت القرار، أو على الأقل أعطت الضوء الأخضر له، نظرا لمكانة الضيف ومنزلته، وذلك تحت ضغط أوساط خليجية ومغربية كانت ترى في الأمير هشام ومساندته التحولات الديمقراطية وتنديده بمظاهر الاستبداد، في بلده وفي بلدان عربية أخرى، عامل إزعاج، فكان لا بد من “إهانته” بشكل رمزي مثير، على غرار ما جرى له.