بشراكة مع متحف سيدي محمد بن عبد الله بمدينة الصويرة، نظمت جمعية التواصل للثقافة والإبداع، الأسبوع الماضي، حفل تقديم وتوقيع كتاب “المسرح الفردي في الوطن العربي، مسرح عبد الحق الزروالي نموذجا” لمؤلفه الطاهر الطويل، والصادر عن الهيئة العربية للمسرح. وقد تولى تقديم الحفل الذي حضره ثلة من المثقفين والمبدعين ومحبي الثقافة، الكاتب والناقد حسن الرموتي، وقدمت خلاله الأديبة والفاعلة الجمعوية ليلى مهيدرة الورقة التالية:

عن الهيئة العربية للمسرح بالشارقة صدر للأديب والباحث الأستاذ الطاهر الطويل كتاب بعنوان “المسرح الفردي في الوطن العربي مسرح عبد الحق الزروالي نموذجا”، وهو وإن كان بحثا جامعيا يعود لسنة 1990، إلا أنه  يظل بحثا متفردا، خاصة وأن الدراسات التي اهتمت بالمسرح سواء في المغرب أو العالم العربي غفلت عن رصد الحركة المونودرامية أو ما يصطلح على تسميته بالمسرح الفردي أو مسرح الممثل الواحد.

والبحث أو الكتاب الذي نحن بصدده لا يملأ هذا الفراغ فقط، وإنما يؤسس لمنهجية رصينة تناولت تاريخ المسرح منذ العصر اليوناني الى اليوم وعبر مسافة جغرافية ممتدة في الوطن العربي ككل، وبذلك يعد توثيقا للمسرح الفردي ورسالة قد يرتكز عليها كل باحث في تاريخه وتطوره اصطلاحيا و تقنيا وإبداعيا. 

الكتاب ينقسم الى ثلاث فصول أساسية،  انطلق فيها المؤلف بداية من شرح تركيب “المسرح الفردي” بين اللغة والاصطلاح، فالمونودراما  أو مصطلح الممثل الواحد  مصطلح يتم تقسيمه بين مونو أي وحده ودراما أي  الحدث أو التمثيلية، أما المسرحية ككلمة فهي تطلق على جنس أدبي يعتمد على تجسيد قصة على الخشبة. والمونودراما وإن كانت تعتمد على ممثل واحد فبإمكان هذا الممثل أن يقوم بأدوار عدة وهو ما يسمى ب/مونو بوليلوغ/  أي تمثيلية بممثل واحد وادوار متعددة  ، يعتمد الكتاب تسمية مصطلح المسرح الفردي دون اقصاء لباقي التسميات ولعل هذه العودة التاريخية هي لطرح التطور الذي عرفه هذا المسرح.

ينطلق الباحث الطاهر الطويل بداية بطرح هوية المسرح الفردي من خلال ما توصل إليه في أن هناك شبه إجماع على ظهور المسرح الفردي عند اليونان حيث كانت أناشيد الديثرامبوس تتلى أثناء التعبد بإلَه الخصب والزرع والثمار، وقد كانت تؤدى على شكل دائرة، من خلال رقص جماعي استمر الى غاية القرن السادس قبل الميلاد مع ظهور الشاعر  ثسبيس الذي أحدث تحولا دراميا، حيث أدخل  شخصية الممثل الواحد كضرورة إبداعية بالأساس،فمن جوقة تؤدي بشكل جماعي وعلى شكل دائرة الى منح رئيس الجوقة دورا أساسيا في التعبير، حيث يكتفي  باقي أعضاء الجوقة بالترديد والإنشاد في تسلسل ادى الى الفضاء التمثيلي الفردي من خلال دعم الحوار الدرامي  فكان الممثل الواحد يؤدي جميع الشخصيات مع تغيير الاقنعة والملابس بينما تستمر الجوقة في الإنشاد بين الشخصيات. وبالتالي الانتقال بالجوقة من فضاء محدد الى فضاءات متعددة من خلال عربة متنقلة وأيضا التحول  تدريجيا عن النص العقائدي الى نص قد يتم توظيفه حسب الغرض المقصود إما للتسلية او للتوجيه أو غير ذلك، وهكذا  يمكن أن  نعتبر أن  الفضل يعود للشاعر ثسيبس في وضع لبنة المسرح اليوناني حتى لا نتكلم عن المسرح الفردي فقط بما ان ما قدمه لنا هذا الشاعر كان انطلاقة وانفتاحا على عالم ابداعي جديد والخطوة التي تلتها خطوات أخرى حيث أضاف اليها شعراء آخرون كاجتهاد ممثل ثان ثم ثالث وهكذا،  وبالخروج من مسرح المشاهد الفرجة الى مسرح  التحليل  من خلال طرح الإشكاليات وهذا الكتاب الذي أمامنا يعرض التجارب التي مهدت الطريق من اجل ظهور ما اصطلح على تسميته بالمسرح والمسرح الفردي بالأساس لأنه موضوع الكتاب الذي بين أيدينا. لكن الجدير بالذكر والذي يحسب للمؤلف وإن صرح لنا من خلال العنوان الى محتويات الكتاب من كونه يتطرق لتجربة عربية من خلال اسم وطني عربي إلا أنه يتعمد طيلة سرده للاستنتاجات التي توصل اليها في بحثه هذا الى طرح مجموعة من الإشكاليات استفزازا لحدس القارئ سواء حول ظهور ما اصطلح على تسميته بالمسرح الفردي او من خلال طرح اشكالية المصطلح في حد ذاته حيث يعتمد التركيز  على الأشكال التمثيلية بدل المسرحية درءا للإشكاليات المطروحة واعتمادا على رؤية الدكتور محمد الكغاط الذي أشار الى ان الاشكال التمثيلية كانت الأسبق في الظهور باعتبار التمثيل غريزة انسانية. وتبعا لما سبق نجد ظواهر تمثيلية متعددة قد تشكلت على مر العصور بالوطن العربي حيث كانت تعتمد القص اما وعظا او فرجة او توجيها وارشادا وكان الراوي يتخذ اما مجلسا شعبيا او قصر علية القوم ليقدم حكيه مع اختلاف الهدف من الحكي والمستمع اليه،

لعل المثير بين دفتي الكتاب الذي بين أيدينا اليوم هو الطروحات الإشكالية التي ما فتئت تفاجئ المتتبع للمسار المسرحي العربي سواء من رفض التسمية على اعتبار ان لا وجود للمسرح الفردي لان العملية الإبداعية قد تشمل المؤلف والمخرج وباقي طاقم الفريق وليس الممثل وحده كفرد مجسد للدور على الخشبة وهي إشكالية استمدت قوتها من كون حتى من امتهنوا تجارب فردية سواء من خلال الكتابة او من خلال التجسيد ودون جرد هنا للأسماء وللتجارب التي شكلت نمطا احتفاليا معينا وايضا من خلال طرح اشكالية الشخصية المجسدة فرديا والتي تم حصرها في مواضيع معينة لا تقبل تواجد طرف آخر مثل الاغتراب أو الجنون أو السجن وما الى ذلك أو حتى من خلال اقحام طرف مادي كالهاتف او الدمية او اي شيء اخر ومنحه الحق في التفاعل بينه وبين الممثل على  خشبة المسرح .

والجدير بالذكر  ان التجربة الإبداعية ككل وإن تطرح كل هذه الاشكاليات فهي حاضرة وماضية كشكل ابداعي يحتوي كل المواصفات الابداعية المتعارف عليها والاكثر من هذا ومن خلال طرح جل المدارس العربية وأقول جل لأنه استطاع ان يقدم لنا جردا للمسرحيات التي اتخذت من الممثل الوحيد مجسدا لها والتحكم في نجاح العرض او فشله بشكل كبير  وأيضا طرح أسماء نسوية كانت حاضرة إما كتأليف أو تجسيد لتتكلم عن بني جنسها وعن هواجسها وتعبر عن كينونتها.

ومن خلال هذا الجرد، يتضح لنا ان اختيار عبد الحق الزروالي لم يكن عبثا وهو المؤمن بالمسرح الفردي عن وعي الممارس له والمنتج إبداعيا والأقرب الى وضع خريطة طريق لفن ابداعي فرجوي شكل بالنسبة للأخر هاجسا حول تموضعه بالنسبة للمسرح ككل كوجود وكدور .

عبد الحق الزروالي فيما اصطلح على تسميته بالمسرح الفردي ما كان بالعابث وهو يقتبس نص ماجولين في سن الخامسة عشر  ليحوله من حروف مخطوطة الى كتابة سينوغرافية مع مراعاة للظروف المتاحة والإمكانيات الجسمية والمادية كالاستغناء على العزف (البيانو) وتعويضه بالرسم (اللوحة) وما الى ذلك مع العلم أن اجتهاد عبد الحق الزروالي في الأمر لا ينبني على دراسة معينة بقدر ما هي الرغبة في التعبير عن ذاته وعن مكنونات عواطفه ودون حتى أن يدرك أنه يرسم خط مساره الإبداعي لأنه كان وما زال يمارس ضمن فرق فاس العتيقة مدينته المعشوقة والتي تحولت مع مرور الوقت الى شخصية في احدى مسرحياته فعبد الحق الزروالي لم يكن  يرى أي تعارض بين المسرح الفردي أو الجماعي مع العلم أنه استطاع من خلال تجربته أن يرصد لنا ضوابط معينة ووسائل تسهم في انجاح العمل المسرحي فهو يعتبر ان عمل المخرج والمؤلف عمل متداخل فلا يمكن للمؤلف غير المدرك لعملية الإخراج و روابطه أن يقدم لنا نصا متكاملا ناجحا والعكس صحيح والدليل على تميز عبد الحق الزروالي عن غيره كونه كان المؤلف والمخرج والممثل لأعماله الفردية وتجربته  داخل فرق متعددة منحه القدرة على التمييز بين هذا المتلقي أو ذاك واستطاع أن يؤسس لتجاوب مميز  بينه وبين الآخر من خلال خلق جسر اعلامي حتى يقترب أكثر من المتفرج لا أن يستكين للركح في انتظار ان يأتي اليه الجمهور .وإن يكون عبد الحق الزروالي قد استفاد من مشاركته في العديد من المسرحيات الجماعية لفرق متعددة فهو لم يستفد تكوينيا الا من خلال دورة تكوينية يتيمة مع الفنان القدير وقيدوم مسرح الناس الطيب صديقي وهذا ما جعل عبد الحق الزروالي في الوقت الذي كان فيه البعض يبحث في مشروعية المسرح الفردي ويطرح الإشكاليات من أن يكتسح  مساحة أكثر  فطالما أنه ليس هناك قواعد مسننة للمسرح الفردي فهذا يعني أنه وحده القادر على رسم خطوه وهذا ما ظهر من خلال تجاربه التي تميزت وطنيا وعربيا وايضا من خلال محاور متعددة ما بين الذاتي والوطني والقومي وأن يجعل من ركحه عربة تستطيع ان تحمله الى كل البلدان العربية تعبيرا عن انتماءه القومي بحثا عن شربة ماء /الكرامة . من خلال دور ربيع ورحلة العطش  .

ولقد شكلت المرأة حضورا قويا في أعمال عبد الحق الزروالي سواء جسدت بلوحة تشكيلية او تمثال فهي الحاضرة الغائبة فقد تكون العشيقة او المدينة او الحرية او غير ذلك

وكتقريب للتجربة الابداعية لهذا الفنان الذي اختار المسرح الفردي كتوجه وآمن به ودافع عنه يقدم لنا المؤلف الأستاذ الطاهر الطويل مسرحية رحلة العطش  كنموذج من خلال تحليل مضمونها  ومرتكزاتها وتسليط الضوء على البنية الحكائية المبنية على تنوع في الأمكنة  واللهجات والوصلات الموسيقية التي شكلت مؤثرا صوتيا يساعدنا على تبيان القطر الذي انتقل اليه ربيع مضيفا الى ذلك لهجات كل مطقة يرحل اليها من خلال جمل بسيطة يستخدمها الممثل كإلقاء التحية أو لطرح تساؤل وتعتبر مسرحية رحلة العطش عملا ابداعيا ناضجا من خلال تطرقه لموضوع شكل هاجس المتتبعين والمفكرين حول القومية العربية والانتماء دون الدخول في الطرح السياسي الفج ولكن من خلال رؤية شعرية جميلة جعلت النص سلسبيلا فكرة وأداء وإضافة مهمة لتاريخ عبد الحق الزروالي في المسرح الفردي وفي الختام وقبل ان يقدم لنا المؤلف نص مسرحية رحلة العطش يخلص الى مجموعة من المرتكزات لعل أهمها كون الإشكاليات التي طرحت حول المسرح الفردي لا تمثل بالأساس أي منطق والدليل هو نجاح العديد من المسرحيات في إقناع النقاد والمتتبعين والجمهور وبالتالي فنجاح أي عمل رهين بقدرته على الإقناع سواء كان فرديا أو جماعيا وإن كان البعض ينظر الى المسرح الفردي على كونه تراجع للفن المسرحي فالعكس هو الصحيح لان المسرح الفردي يمتلك قدرة أكبر في الإقتراب من الجمهور وفي خلق فرص للتنقل بأقل التكاليف .

خلاصة لكل ما سبق يجدر بنا القول إن المؤلف الذي بين أيدينا لا يشكل مجرد إضافة للبحث في المسرح العربي الفردي فقط، بقدر ما هو  مرجع أساسي لكل المتتبعين للحقل الإبداعي عربيا، والدليل أن صدور هذا الكتيب فتح المجال أمام العديد من النقاد للبحث والتمحيص، ولعل صدور عدة مقالات في المجلات والجرائد العربية وأيضا الاحتفالات والدراسات التي تناولت الكتاب لخير دليل على ذلك.