اليكم هذه القصة:

 

في الصيف الماضي.. وفي يوم لندني استثنائي مشمس.. كنت متوجها الى مكتبي سيرا على الاقدام، وفجأة قطع عليّ سرحاني صوت يناديني باسمي، التفت فرأيت شابا طويلا وسيما بشاربين كثين يقول بصوت جهوري: ‘استاذ عبد الباري فدّ كلمة لو سمحت’. توقفت متثاقلا، فكلمة ‘فدّ’ هذه تشي بهوية صاحبها العراقية، مما يعني عتابا وجدلا، وفتح جروح ماض قريب اردتها ان تندمل… صدام حسين.. غزو الكويت.. الطغيان.. الى آخر منظومة عشت في دوامتها عشرين عاما.

 

مخاطبي وقبل ان يقول صباح الخير بادرني بلهجة عراقية اعرفها جيدا ‘والله العظيم لو قابلتك قبل عشرين عاما لذبحتك.. فقد كنت اكرهك.. واكاد احطم التلفاز عندما كنت تطل على شاشته، الآن اسمح لي ان اقبل جبينك معتذرا.. فقد كنت تحذر من كل ما حلّ ويحلّ بنا من مصائب وعجزنا عن رؤيته في حينها، لقد خدعونا.. ضللونا.. مزقوا بلدنا.. دمروا بلدنا، ضاعت هيبتنا.. اصبحنا اضحوكة بين الشعوب‘.

 

تذكرت هذه الواقعة طوال الايام الماضية، والتفجيرات الدموية البشعة والمدانة المتواصلة التي تهزّ العراق، وآخرها يوم امس، والملايين التي نزلت الى الشوارع في الموصل والرمادي وسامراء احتجاجا على تدهور الاوضاع وسياسات القمع والتعذيب والإقصاء والاستقطاب الطائفي.

 

من حق العراقيين ان يتظاهروا وان يطالبوا بإسقاط النظام فهذا ليس العراق الذي بشرنا به جورج بوش الإبن وتابعه توني بلير، ورهط من المحسوبين على العراق زورا وبهتانا، هذا ليس العراق الذي قالوا لنا انه سيكون نموذجا للتعايش والعدالة والقضاء العادل.. العراق الذي سيعوض العراقيين عن سنوات المعاناة والظلم، وسيمثل نقطة اشعاع ثقافي وديمقراطي في المنطقة بأسرها. العراق الجديد تختلط فيه المجاري بمياه الشرب، وتنقطع فيه الكهرباء عشرين ساعة في اليوم، والبطالة في اعلى مستوياتها، والمتسولون يتراكمون في كل زاوية من زوايا العاصمة، كما قال صديقي الصحافي البريطاني باتريك كوبورن الكاتب في صحيفة ‘الاندبندنت’ البريطانية اليومية.

 

ثلاثة ملايين برميل من النفط يصدر العراق يوميا ومع ذلك لا يجد المواطن العراقي رغيف الخبز الذي يسد رمق اطفاله، ولا يجد الأمان، ولا يعرف متى ستنفجر فيه قنبلة، او سيارة مفخخة، يسير في الشوارع حاملا روحه على كفه ومسلما أمره الى العلي القدير.

 

هذا العراق العظيم الذي كان مرهوب الجانب من جميع دول الجوار، ورقما صعبا في جميع معادلات القوة في المنطقة، اصبح كما مهملا، ومرتعا لتدخلات الصغير قبل الكبير، يتحدث لغات هجينة غير مفهومة، وكيانا رخويا هلاميا بلا عمود فقري، يتوزع بين هويات طائفية وعرقية متناحرة، ويرفع اعلاما شتى.

 

‘ ‘ ‘

 

عراق جديد بلا جيش، ولا طائرات، ولا أمن، يتسابق مع قديمه في بناء السجون وتوسيع المعتقلات، واختراع انواع جديدة من ادوات التعذيب، تتواضع امامها مثيلاتها التي سبقت العصر الديمقراطي الزاهر.

 

المنطق يقول بان عشر سنوات من ازالة حكم ‘الطاغية’ وعودة الديمقراطية الغربية، والحريات، وحقوق الانسان والحداثة المزورة على ظهور الدبابات وعربات ‘الهمر’ الامريكية، من المفترض ان يأتي الرخاء، ومعه طفرة اقتصادية وفكرية وثقافية، وتغيير اجتماعي واعد، وقضاء مستقل.. من المفترض ان نرى فنا حديثا.. ومسرحا جديدا.. ونهضة ادبية شعرية روائية ابداعية.. وجامعات عملاقة، ولكن الصورة مغايرة لذلك تماما، لا نرى غير الدمار والقتل والإقصاء والطائفية البغيضة.

 

الفساد هو العنوان الأعرض للعراق الجديد، وزراء تقلدوا مناصبهم لأشهر اصبحوا يتنقلون بطائرات خاصة، وقادة ميليشيات اشتروا العمارات الفخمة في اوروبا، وأحد الانتهازيين الكبار اقام فرحا لابنته في لندن فاقت سمعته الآفاق، وهو الذي كان يعيش على الضمان الاجتماعي.

 

‘ ‘ ‘

 

عشر سنوات مرت على ‘تحرير’ العراق وازالة حكم ‘الطاغية’ بمساعدة بول بريمر، وبتخطيط من ريتشارد دوني راعي مؤتمر لندن، وتواطؤ معظم حكومات الدول الخليجية، ولا نقول الشعوب المغلوبة على امرها، وهندسة توني بلير رئيس وزراء بريطانيا.

 

عزاؤنا تلك المقاومة التي هزمت المشروع الامريكي، وانهت الاحتلال، واجبرت المحتلين على الهرولة تقليصا لخسائرهم التي فاقت التريليون دولار.

 

يتحدثون الان عن ديكتاتورية جديدة بقيادة حاكم ‘منتخب’ اشد شراسة، واكثر قمعية من الديكتاتورية السابقة، ويتحدثون ايضا عن استيلاء ايران على العراق دون اطلاق رصاصة واحدة، وهي التي حاربت ثماني سنوات من اجل الوصول الى هذه النتيجة دون جدوى.

 

عندما قال المفكر البريطاني اليهودي برنارد لويس ان العراق دولة مفبركة بحدود مصطنعة صفق له بعض حكام العراق الجدد، واعتبروه صديقا مخلصا، وها هي نبوءته تتحقق على ايديهم، وبما يخدم في نهاية المطاف مصالح اسرائيل وبقاءها وتفوقها وهيمنتها على المنطقة بأسرها.

 

تعرضنا، وعلى مدى العشرين عاما، للرجم بالكثير من الحجارة، وتعرضنا اكثر لبذاءات يعفّ اللسان عن ذكرها، ولكننا، ورغم ذلك لا يمكن ان نتشفى، لأننا احببنا العراق وما زلنا، مثلما احببنا كل قطر عربي ومسلم، وكنا وسنظل في خندق هذا البلد العظيم، نتألم لألمه، ونحزن لما يتعرض له من مآس ومصائب على ايدي بعض ابنائه المغرر بهم.