من شرفة المقهى الموجود في الطابق العلوي للبناية الشاهقة ، أطل على الأفق الممتد ، أخذ نفسا عميقا و هو ينظر إلى الأشجار العارية في الحديقة المقابلة ، شعر باكتئاب وبمغص، تجاهل الألم وارتخى تاركا جسده يهوي على الكرسي ، جاءه النادل للتو .. طلب مهلة يستعيد فيها نفسه ويرمم ما تبقى منه بعد يوم متعب وشاق، وضع دقنه بين راحتيه فشعر برأسه ثقيلا كالصخرة ، زاد طنين أذنيه ، أحس بالدم يجري في شرايينه كوديان هادرة ..
هو وحده يجلس على الشرفة و ينظر بعيدا، بعيدا، تذكر أمه وهي تقول له يوما، لا تغترب يا ولدي لا تسافر بعيدا..
لم يكن له بد ، سئم الملاحقات و استفزازات المخبرين ، سئم البطالة ولعن اليوم الذي حجز له فيه أبوه مقعدا في المدرسة قبل أن يختفي وتنقطع أخباره صدفة ، كان صغيرا ساعتها ، تذكر كيف أمسك بثوب أمه التي أزاحوها أمامهم بقوة عندما زاروهم في قلب ذلك الدجى الممزوج بالعواصف الرعدية ليأخذوه و يأخذوا كل الأوراق ويختفوا و تختفي أخبار الأب إلى الأبد، لم يفهم شيئا ، و لا أمه استطاعت أن تشرح له شيئا ..ترك ذلك الأمر يتدبره القدر إلى أن عثر يوما على كتاب لم يصادروه في تلك الليلة الداجية ،لم يكن للكتاب غلاف و لا عنوان.. وعلى الصفحة الأولى إهداء غامض مختوم بكلمات للشاعر الكبير لوركا ، وجل أوراقه مثقوبة و متآكلة و بالكاد تظهر عليها الكلمات …
استغرب كيف ورث عن أبيه كل شيء رغم الفراق المبكر، حاول ترميم صورته في مخيلته فتلاشت الملامح، ضاعت و لم يبق منها غير ما يشبه الطيف..
تذكر تلك الدمعة الحارة التي ذرفها على يدي أمه وهو يقبلهما..
كل ذلك لم يعد له معنى.. لقد إغترب بحثا عن شيء ما لا يعرفه ، إغترب ولم يترك لها غير ذلك الماء المالح الساخن الذي سكبته عيناه في غبش ذلك الصباح فوق يديها ، ثرى أما تزال حية ؟ وتلك الشجرة السامقة الموجودة في فناء المنزل والتي تملأها العصافير زقزقة عند الغروب و عند غبش الفجر أيام الشتاء ، أما زالت كما هي سامقة شاهقة ؟
سالت دمعة حارة على خده فمسحها مسرعا بحركة مسرحية مراوغة تفاديا للحرج وتنهد ، نظر إلى السماء فلمح طائرا يصارع الريح بعناد كبير، كان الطائر وحيدا ، مرة يصعد و مرة يهبط مواجها قوة الرياح الهوجاء التي تصده من حين لآخر، تساءل في صمت : إلى اين يذهب و لماذا يطير وحيدا ؟ ربما قسوا عليه ….
عاوده النادل فطلب قهوة سوداء، أخرج سيجارة، أخذ نفسا عميقا من الدخان ، ارتوى من سيجارته كما يرتوي العطشان من الزلال ، في لحظة من اللحظات ، التفت إلى الجدار فسقطت عيناه على لوحة الجوكاندا ، تأمل كثيرا غموض ابتسامتها الآسرة فسافر بعيدا و استعرض في مخيلته أشياء كثيرة ، إلى أن انتشلته معزوفة لبيتهوفن من المسرح المجاور للبناية ، فانتبه إلى الفنجان …
ومع أول جرعة من القهوة استعرض الأيام الجميلة التي قضاها هنا في بلاد الغربة حيث الحرية و الحلم و الحب وكل أشياء الحياة.. تذكر تلك الفتاة الشقراء التي قادت الطائرة في أول رحلة جوية له، لم يتقبل الفكرة أول الأمر، لكنه استسلم في النهاية ، كانت الرحلة حلما و كابوسا ، وعندما حطت الطائرة بسلام وصفق الركاب ، سمع الربانة تقول بصوت حنون رقيق و بثقة زائدة : يمكنكم الهبوط يا سادة ..
جال في خاطره أن يقول شيئا، أن يحكي أوهامه لتك المرأة، لكنه اكتفى بالقول: معجزة معجزة، نظر إليه الجميع باستغراب وهو يهم بمغادرة المقصورة….
مند ذلك اليوم ظل القلق والسؤال جزءا منه، كلما اندهش من شيء ما يتساءل: كيف و لماذا ؟ ويعقب، معجزة.. إلى أن انتهى به المطاف إلى التسجيل بالجامعة في شعبة تاريخ الحضارات..
جلس في أول حصة له بالمدرج ينتظر دخول المحاضر ليستمتع برحلة في غياهب روح التاريخ ، بعد ثواني ، دخلت امرأة في مقتبل العمر تحمل محفظة جلدية عيناها زرقاوان وشعرها الدهبي ينساب فوق كثفيها كشلال دائم الجريان ..، جلست بخفة فراشة خلف المنصة و شرعت في إلقاء المحاضرة التي تتبعها الحضور بصمت وإعجاب ، كانت رحلة عميقة سبرت فيها تلك السيدة أغوار آتينا القديمة ، معرجة على روما ثم العصور الوسطى ، وهو ينظر إليها متتبعا كل التفاصيل، رأى طيف الجوكاندا في وجهها ، وسمع نغمات بيتهوفن في صوتها ، لم يتمالك نفسه من جديد فصاح : معجزة، معجزة …
ومند تلك المحاضرة ، ظل يتوقف أثناء تجواله أمام مداخل محطات القطارات، وواجهات المسارح ومداخل الجامعات والكنائس، يتأمل تفاصيلها ودقة تصاميمها ، فيحضره طيف الجوكاندا الممزوج بإيقاعات بيتهوفن ، وباث يرى ذلك في كل شيء ، في إيقاعات حركة الطرامواي و ميترو الأنفاق وسلوكيات البشر وطرق تفكيرهم ….
ولكثرة ما كان يردد لازمته المعهودة ، معجزة ، معجزة ، لقبوه هناك ب” مسيو ميراكل ” بمعنى السيد معجزة ….
وفي ليلة من الليالي و هو يغظ في نوم عميق ، رأى اباه يمسك معولا ومعه رجال كثيرون و نساء، شباب في عمر الزهو يحرثون تلك الأرض و يغرسونها ورودا و زهورا و اشجارا لم يتركوا مكانا، قلبوا كل الساحات و كل الميادين ، وكانت حناجرهم تصدح ألحانا و أفراحا .. لكن ما انتهوا حتى حطت أسراب من الغربان على الحرث و بدأت تقلب الأرض و تفسد الحرث ، استيقظ مدعورا وفي حلقه جفاف و ملوحة ، وصاح: لا بد أن أعود لا يمكن أن يفسد الحرث …
في الغد غادر على مثن أول طائرة، كانت شبه خالية من الركاب، بعض من أشباح لا غير
تساءل في قرارة نفسه ، هل أخطأت الوجهة ؟ اعتقد أنه ما زال في كابوسه ، ظل متوجسا ، وفي المطار وهو يعبر الجمارك ، أوقفه ملتحيان ليفتشوا حقيبته التي لم يجدوا فيها غير ربطة عنق و صورللجوكاندا ، و أقراص لسمفونيات بيتهوفن ، حجزوها للتو، وضعوها في كيس كتبوا عليه ، ممنوعات مصادرة ….
فرك عينيه وهو يغادر المطار، أهو في يقظة أم في حلم ؟ لكن المدينة هي و البنايات هي ، لا شيء تغير ، اصابه ذهول مما وقع في المطار ، استعاد جلساته في شرفة المقهى و صور الطائر وهو يصارع الرياح ، كما استعاد عبق القهوة السوداء ، وصوت المحاضرة وهي تلقي درسها بصوت جهوري دافئ ، عض على اصبعه ندما ، وفكر في العودة ، لكن جواز سفره محجوز ، صاح بأعلى صوته ، لا بد أن أعود ، في تلك اللحظة سمع خلفه تكبيرات و تهليلات ، ثم انهالت عليه الطعنات من كل جانب و سقط مضرجا في دمائه …

……………….الطالبي………………..