يا ألله أما آن لهذه الغمة أن تنكشف؟

أما حان الوقت أن ينصر الله دينه؟

كم من الصدمات التى يجب أن يتعرض لها عقلى؟

كم من الاختبارات يجب أن يتعرض لها يقينى وإيمانى؟

مرقت هذه الأفكار فى ذهنى فى الوقت الذى يمر علينا الأخ الفاضل باللافتات المكتوبة باللغة الإنجليزية. لا أعرف ما هو المكتوب على هذه اللافتات ولكن لا يهم المحطات الأجنبية جاءت لتغطى فاعليات اعتصامنا فى رابعة ويجب أن نوجه رسالتنا لأمريكا وأوروبا.

نعم كان يقول لنا شيوخنا إنها دول كافرة فاسدة يتم السيطرة عليها بالإعلام الصهيونى النجس، ولكن نفس الشيوخ يقولون لنا إنه من المهم أن نطلب مساعدتهم، لا يهم الوسيلة، المهم الغاية، المهم نصرة الإسلام.

ألم نهتف الأسبوع الماضى مهللين مرحبين بخبر توجه سفينتين حربيتين إلى شواطئنا «يا أمريكا حررينا». ألا يعد ذلك استقواء بالغرب الفاجر؟ أليست هذه التهمة التى طالما ألصقها شيوخنا بأعداء الإسلام كالبرادعى وحمزاوى وهؤلاء النصارى عبدة الصليب؟

لكن لا يهم. فالغاية تبرر الوسيلة. ألسنا ندافع عن الإسلام؟

مر بجانبى شخص بملامح مختلفة عن باقى الموجودين هنا كأنه من خارج المكان والزمان.. ينظر إلى اللافتات التى بأيدينا وإلى الكاميرات وإلى فاعليات المنصة ثم ينظر إلى كأنه يقرأ أفكارى ويبتسم. يخرج مدونة صغيرة وقلما ويكتب شيئا ما.

من هذا؟

لا يهم، إحنا فى ايه والا فى ايه؟ ارفع اللافتة كمسلم مخلص لمنهجى السلفى. فأنا كسلفى مطيع لشيوخى لا أرد لهم فتوى أو رأى. أتذكر حين كان شيوخى يقولون لى إن الإخوان جماعة ضالة مبتدعة ثم أجد نفس هؤلاء الشيوخ على منصة واحدة مع قيادات نفس الجماعة بعد الثورة.. لا أستطيع أن أفسر متى وكيف تغير موقف هؤلاء الشيوخ من الفتوى بعدم الخروج على الحاكم إلى التشدق بمبادئ الثورة. من تحريم الديموقراطية والانتخابات ومشاركة المرآة إلى السعى بكل قوة للحصول على كل صوت لذكر كان أو انثى.

أتذكر شيوخ الدعوة السلفية يوصوننى بالتصويت لأبوالفتوح وليس محمد مرسى المرشح «الإسلامى»، فأجد نفسى فى نفس معسكر اليساريين الكفرة الذين صوتوا لأبو الفتوح. ثم تأمرنى قياداتى بأن أقف بجانب مرسى فى الإعادة فى حين يجلس ياسر برهامى مع شفيق سرا فيكذب ويكذب حتى يعترف أنه فعل ذلك.

أتذكر الصالة المغطاة لاستاد القاهرة حيث أعلن رئيسنا المسلم الجهاد فى سوريا وسانده وعضده شيوخى وعلمائى. نعم أتذكر هذا المؤتمر. حيث رددنا «آمين» والشيخ عبدالمقصود يدعو على أعدائنا وأعداء الدين.

أتذكر شيوخى وعلمائى وهم يعدوننا للمعركة المقبلة لمعركة تلاتين ستة. ولكن يا إلهى، ما هذه الأعداد التى نزلت إلى الشارع؟ كنا نعرف أن هناك كفارا فى البلد ولكن كيف لمصر الإسلامية أن يعيش فى جنباتها كل هؤلاء المشركين والملاحدة وأذناب الكنيسة كما يقولون لنا؟

حسنا هى إذا معركة شرسة على الإسلام ولكن الله غالب على أمره. ألم يكونوا يقولون لنا إنه إن سقط مرسى والاخوان سيسقط الإسلام؟ لا يهم الكلام عن جماعة مبتدعة وضالة الآن. التعليمات الجديدة تقول إن سقوطهم يساوى سقوط الإسلام.

وسقط مرسى.

أين شيوخنا؟ أين علماؤنا الذين كانوا فى حضرة الرئيس المسلم منذ أسابيع؟ ألن يقفوا فى وجه هذا العدوان الصارخ على الإسلام؟ لا بد أنهم ممنوعون من الظهور، ولكن ها هو صفوت حجازى يعلن أنه ليس هناك شىء يمنعهم ويتهمهم بالتعاون مع السلطة الانقلابية أعداء الإسلام. شيوخنا يجلسون فى البيوت ويتركوننا فى هذه المعركة وحدنا؟ لا غير صحيح. لا يمكن أن يكون صحيحا، ولكن ها هو حزب النور الذراع السياسية للدعوة السلفية يجلس وراء وزير الدفاع وهو يقرأ بيان عزل رئيسنا المسلم. كيف يجلس أعضاء حزب النور مع أعداء الإسلام بينما قياداتهم وقواعدهم معنا هنا فى رابعة التى قاطعها شيوخهم؟

أليس من هؤلاء الشيوخ محمد حسين يعقوب الذى صرخ فينا «لديكم رئيس ملتح حافظ لكتاب الله، ألا تكبرون؟»

ألم يكن بينهم الشيخ العلامة محمد حسان الذى قال لنا إن مرسى لديه شرعية نبوية وشرعية قرآنية؟ أليس الأولى به أن يقود حربنا لاسترجاع الإسلام؟ ألم يدع الشيخ حسان للجيش فى وقفة عرفات منذ عام مضى؟ أليس هؤلاء الذين أعلنوا الولاء والمبايعة للمشير طنطاوى؟ ألم نهتف من التحرير للمشير بأنه الأمير؟ فكيف نهتف بأن الجيش عميل وخائن اليوم؟

عقلى يكاد ينفجر. وأنا أجلس الآن مع أخى الإخوانى. نتجاذب أطراف الحديث. نسترجع معا النبوءات والتجليات والبشائر التى كان يزفها إلينا الشيوخ على منصات التحرير ثم رابعة.

أتذكر الشيخ أبو الأشبال وهو يحذرنا أن من لم ينتخب أبوإسماعيل فهو آثم. نعم، وكان هناك شيخ آخر بالتحرير بالرؤيا التى رأى فيها أحدهم الرسول وهو يدخل المسجد النبوى ويسأل عن أبوإسماعيل ويقول إن الله راض عنه.

يذكرنى أخى الإخوانى بكل هؤلاء الشبوخ الذين حذرونا أيضا أن من لم يصوت بنعم على الاستفتاء ومن لم يصوت لمرسى فهو آثم قلبه أيضا.

نسترجع معا هذا الفيديو الذى يقسم فى الشيخ أن الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) قد قدم مرسى عليه لإمامة الصلاة؟

ألم يطلع علينا شيخ آخر ببشرى أن جبريل يصلى معنا فى رابعة؟

ألم نهلل لهذا الشيخ الثالث ويحكى رؤيا ينام فيه الرسول على فخذه ثم يظهر مرسى فينام على فخذه الأخرى؟

صديقى الإخوانى لا يقل عنى حيرة. كم سمع قياداته هذه الخطب التى تشبه مرسى وخيرت الشاطر بسيدنا يوسف وسيدنا لقمان بل وبالرسول محمد صلى الله عليه وسلم؟

يتساءل معى كيف بعد كل هذه التشبيهات بالأنبياء والرسل والصحابة ووقوف جبريل والملائكة وإرادة الله معنا، كيف نهزم بعد كل ذلك؟

أنكون على ضلال؟

أتكون هذه البشائر كاذبة؟ ولكن الشيوخ لا يكذبون. إنهم أهل العلم. إنهم أولو الأمر. ربما يكونوا قد غيروا بعض الحقائق ولكن كان هناك دائما مبرر شرعى. ألا نسعى كلنا لاقامة الدولة الإسلامية حتى لو كان بالكذب والغش وتغيير المواقف؟ المهم درء المفاسد. المهم ان نصل إلى مبتغانا.

أمرونا أن نقطع الطريق على الطرق وكوبرى أكتوبر. نعم هذا مخالف للعقيدة وحديث إماطة الأذى عن الطريق. ولكن لا يهم، المهم أننا سنقوم باداء صلاة التراويح بعرض الكوبرى حتى يأتى الامن المركزى ويقوم بتفريقنا. ليس هناك أفضل من تصوير العنف مع المصلين لإثارة المشاعر الدينية عند المصريين.

جلست فى ركن بعيد وأنا أتذكر كم الوعود التى أخلفت، والأحلام والتنبؤات والرؤى التى يظهر فيها الرسول يؤيد رموزنا وقادتنا. اتذكر الالعاب السياسية من رفض القرض الربوى إلى اللهاث وراء قبوله.. من الهجوم على أمريكا الكافرة إلى شهر العسل معها بل والاستقواء بها وهتافنا فى رابعة «يا أمريكا حررينا»

أجلس هنا وانا منهزم ومنكسر لهزيمة الإسلام فى مصر كما قالوا لنا. لم يبق مسلم حق خارج حدود رابعة. لا يمكن أن نعود إلى بيوتنا والا معنى ذلك ان الله تخلى عنا وعن دين الإسلام. لا يمكن ان يحدث هذا. أيعقل أن شيوخنا الأطهار قد تلاعبوا بنا؟ هل يمكن أن يكذبوا فى أمر جلل كرؤية الرسول فى المنام وهو القائل صلى الله عليه وسلم: «من رآنى فقد رآنى؟»

هل يدرك هؤلاء الشيوخ ماذا يمكن أن يحدث لإيمان ويقين هؤلاء البسطاء اذا تبين ان كل ذلك كذب؟

أيعقل ان قيادات الاخوان والسلفيين يعلمون يقينا أن ما يرددونه على المنصة كذب وأنهم يفترون على الله ورسوله وهم يعلمون ولكنهم يفعلون ذلك لأن الغاية تبرر الوسيلة؟

يا رب هل أنت راض عن هؤلاء الذين تلاعبوا بالآيات والأحاديث وحتى بالأحلام من أجل مكاسب سياسية قذرة؟ هل استبدلنا الصدق والأمانة بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة؟

نظرت بجانبى فوجدت هذا الشخص الغريب مرة أخرى. كان يحتسى كوبا من الشاى ويسحب نفسا طويل من سيجارته وهو ينظر مبهورا تجاه المنصة

عرض على أن آخذ سيجارة منه ولكننى رفضت بشدة.

بادرته بالسؤال: «الأخ منين؟»

«مش مهم أنا منين. المهم انا جاى هنا أعمل ايه. انا جاى أتحسر على كل تاريخى وانجازاتى وأفكارى. عارف مبدأ الغاية تبرر الوسيلة اللى انت قارف نفسك بيها دى؟»

صعقت واندهشت، كيف يقرأ هذا الرجل أفكارى؟

«لا تقلق، انا جاى هنا اتعلم من أول وجديد».

يا إلهى من ذلك الرجل. وماذا يقصد؟

سألته: «عذرا يا أخى، ممكن أتعرف بيك؟ اسم الكريم إيه».

مد يده مصافحا لى قائلا : «اخوك ميكيافللى. انا ماجيش حاجة جنب الناس دول. سلامو عليكم».

ثم أخرج ورقة وقلما ودون فيما يبدو لى انها ملاحظات أخيرة، ثم اختفى بين الحشود الكثيفة وهى تكرر النداء من المنصة

«قادم قادم يا إسلام».

باسم يوسف