بعد الشنآن الذي حصل بين فرقة مسرح البدوي والوزارة الوصية، واتهامها لوزير الثقافة محمد الصبيحي بطرد المسرحي عبد القادر البدوي من مكتبه، وتقديم شكاية ضده لتوقيفه لمهرجان مسرح البدوي الذي ينظم سنويا بمدينة إفران، وقيام نجلة البدوي حسناء بشن حملة ضد وزير الثقافة على صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي “الفايسبوك” مطالبة إياه بالرحيل، هرعت الوزارة المعنية إلى الرد سريعا، وأصدرت بيانا توضيحيا في الموضوع، شرحت فيه أن ما جاء في بيان فرقة البدوي هو “ابتزاز غايته الحصول على الدعم فقط”.

وشكل هذا الرد مجالا لنقاشات متعددة على الصفحات المختصة في المواقع الاجتماعية بين الفنانين، الذين يرغبون في وزارة شفافة قادرة على مواجهة ما يسمونه ابتزاز بعض الفنانين للوزراء السابقين، الذين يمنحون لبعض الفنانين امتيازات خارج القانون، وبين فريق متعاطف يعتبر المكانة الاعتبارية لبعض الفنانين خارج كل اعتبار.

“هسبريس” حاولت النبش في هذا الموضوع، واستمعت لآراء العديد من الفنانين بهذا الخصوص.

الريع الثقافي

وفي هذا الصدد قال الممثل المغربي فريد الركراكي لـهسبريس “أحترم البدوي كثيرا وأقدره، لأنه يبقى فنانا وزميلا في الميدان الفني، كما أنني أحترم فرقته المسرحية “فرقة البدوي” لتاريخها وعطائها المستمر، وأخص بالذكر الإدماج الذي تقوم به اتجاه الجيل الجديد في الفرقة، وبروزها بنفس جديد ورؤية جديدة، لكن أنا لست مع الدعم المباشر لأي جهة، لأنك تجد هناك لجنة تتبع قوانين لتستفيد الفرق المسرحية من الدعم، ولا يجب تجاوزها أو تعديها، لأن القوانين في النهاية تطبق على الجميع، والأحق سيحصل على الدعم”.

ويرى رئيس النقابة المغربية لمحترفي المسرح، مسعود بوحسين أن “من حق الأستاذ عبد القادر البدوي أن يحظى بالعناية والتكريم اللازمين، ومن حقه أيضا أن يستفيد من الدعم العمومي شأنه شأن بقية المسرحيين المغاربة…لكن في إطار الشفافية والوضوح وبعيدا عن أية مزايدات، أو إقحام شعبوي لقضايا الفنانين في مسائل شخصية بدعوى الدفاع عنهم”.

وأردف بوحسين “ليس من المستساغ ألا تستخرج بعض الأسماء هذه الورقة إلا بهدف الضغط، بدعوى الشرعية التاريخية من أجل المزيد من الدعم خارج معايير الشفافية…هذه السلوكات كلفت المسرح المغربي الشيء الكثير، ولا تزيد سوى من درجة إغراقه في الريع الثقافي، وإظهار الساحة الفنية في صورة غير لائقة في أعين المجتمع، كفئة تسعى لامتيازات تفوق بقية المواطنين، في حين أن هناك العديد من الحقوق تضيع في غياب ترسانة قانونية أساسية- تعيق وجودها مثل هذه السلوكات- وهي قيد التشكل أصلا، وذلك بترويج خطاب يظهر عكس ما يبطن ويقوم على توزيع الاتهامات يمينا وشمالا، وخلط الأوراق: الموظفون الأشباح، المعهد العالي للفن المسرحي، النقابة، الوزارة، التلفزة، يتعدد المتهمون والهدف واحد: إحراج المؤسسات أو الضغط عليها لاتقاء ردات فعل عبر بيانات نارية، غير أن هذه الأخيرة (ردات الفعل) لن تنتهي أبدا”، يقول بوحسين.

كما أكد بوحسين أن النقابة الوطنية لمحترفي المسرح “متمسكة بالقانون والشفافية، وعلى الوزارة الوصية أن تتوفر على الشجاعة السياسية الكافية لخدمة المسرح والمسرحيين والثقافة المغربية عامة، في إطار الشفافية والقانون، والفصل بين دعم الأعمال الفنية والقضايا الاجتماعية من جهة، وتكريم الهامات الكبرى لفننا المغربي من جهة أخرى”.

خرجات دونكيشوت

من جانبه اعتبر المخرج المسرحي محسن زروال أنه “واهم من يعتقد بأن عبد القادر البدوي في صراعه الأخير مع وزارة الثقافة في شخص وزيرها، يقصد الوزارة وحدها، فقد تعودنا منه أنه يضرب كل شيء عرض الحائط، فلم يثبت يوما أن أعلن موقفا إيجابيا من ممارس مسرحي واحد، فقد ظل لسنين طويلة يدس الدسائس وينصب الشراك، ويعلن نفسه الحقيقة الوحيدة في المسرح المغربي، وقد ظل لفترات متقطعة من تاريخ فرقته يقوم بخرجات دونكيشوتية، يسب هذا ويلعن ذاك.. يتهم وزارة ويلعن نقابة.. ويستكين إلى هاتفه في انتظار اتصال قد يسكته بجولة مسرحية لفرقته”.

وأضاف زروال في تصريح لـ”هسبريس” أن “البدوي في الأيام الأخيرة اصطدم مع وزير الثقافة الذي رده خائبا، ولأن البدوي لا يمكنه أن يسافر من البيضاء إلى الرباط ويعود خاوي الوفاض، فقد كان عليه أن يرعد ويزبد ويمثل دور الضحية المسكين، الذي اعتدي على حرمته، وهذا يدفعني للتساؤل لم لم يحتج في الوزارة؟ لماذا لم يرعد ويزبد وهو في الوزارة حتى يشهد كل الموظفين على ما فعله الوزير؟ لما انتظر حتى عاد إلى البيضاء؟

وأردف “أعتقد أن السيد العميد الذي عمد نفسه رغما عن كل المسرحيين، أراد من هذه الجعجعة استمالة الديوان الملكي حتى يتدخل لصالحه، لكن أمله خاب مرة أخرى وخاب أكثر حين أصدر ديوان وزير الثقافة بيان الحقيقة، الذي وضعنا أمام مهزلة المال العام الذي يسرب من الوزارة بدون أي وجه حق”.

ويعتقد زروال أنه “علينا معشر المسرحيين أن نمسك الملف من الجهة التي تهمنا، وهي مسألة هذا المال الذي يسرب لفرق وأشخاص معينين ضدا على إرادة كل المسرحيين، الذين يلتفون حول الدعم المسرحي رغم هزالته، أعتقد أننا علينا ألا نسكت على هذا الهدر”.

واعتبر زروال أنه “من حق الجميع أن يستفيد من الدعم ومن حق البدوي أيضا، وأنا لست ضد دعمه ولكنني أشترط أن يخضع للمعايير التي تسري على كل المسرحيين، فإذا كان هو مثل منذ سنين فهناك من تخرج من معاهد مختصة وسافر إلى أوربا ليمارس المسرح ويدرسه، وعاد محملا بشهادات عليا ويمارس الآن بشكل متواصل في مجالات التكوين والإبداع، أليس من حق هؤلاء أن ينافسوا البدوي وينافسهم في المال الذي يعبه وحده دون حتى أن يحقق إنجازا واحدا يمكن أن يذكره الجمهور بخير؟”.

وشدد زروال في نهاية حديثه لـ”هسبريس” أنه يجب على “السيد الوزير إعلان كل الفرق والأسماء التي تستفيد، وتبيان المبالغ المستفاد منها على غرار ما فعل مع البدوي، إعمالا لمبدأ الحق في الولوج للمعلومة، وربما علينا أن ننتقل من مجال الكتابة والمطالبة والرجاء، إلى مجال رفع الدعاوي القضائية ضد وزارة الثقافة وضد الفرق والأشخاص الذين يستفيدون خارج الدعم، والمطالبة بمحاسبة الجميع عبر تحكيم المجلس الأعلى للحسابات”.

مشروعية المطالب؟

من جهته، أوضح حسن هموش، رئيس الفدرالية المغربية للفرق المسرحية المحترفة أن “لا يحق لأحد أن يهين أو يستصغر أحدا مهما كانت قيمته ومكانته الإعتباراية والاجتماعية وحجم مسؤوليته، ونحن في الفيدرالية المغربية للفرق المسرحية المحترفة، أسسنا هذا الإطار بإرادة من الفرق المسرحية وعلى أسس مبنية على الحرية والكرامة، وما يضمنه الدستور المغربي للأفراد والمؤسسات من حقوق وواجبات”.

واعتبر هموش في تصريح لـ”هسبريس” إن “ما وقع الآن بين فرقة البدوي أو البدوي ووزير الثقافة، فرصة لكشف الغطاء عن سلوكات ظلت الإطارات النقابية والمهنية والفيدرالية تدعو إلى تصحيح مسارها، وتقويم آليات الاشتغال بها، وهو استغلال المال العام، في كل ما يتعلق بالإنتاجات المسرحية والتظاهرات التي تدور في فلكها”.

ويرى هموش إن “منطق الريادة لا يمنحنا الحق في الحصول على الامتيازات خارج دوائر القانون، بل يفرض علينا أن نكون من المدافعين عنه، في إطار من الشفافية وتكافئ الفرص”.

واستغرب هموش كيف لفرقة البدوي أن “تنتفض الآن باسم الفنانين والمثقفين، لما تضاربت مصالحها مع موقف وزير الثقافة، في حين فضلت الصمت والانزواء لما كانت الحركة المسرحية تناضل ضد أشكال التهجين والمساومة والاحتقار التي تعامل بهما الوزير السابق حميش”، متسائلا “أين مسرح البدوي من مواقف الأمس؟ ونحن نقول لو كان لمطالبه مشروعية وتتسم بالعقلانية، لكنا أول من يقف معه ضد أشكال التهميش والإقصاء التي قد يتعرض لها”.

وطالب هموش من وزارة الثقافة “معرفة ما هي مشروعية مطالب فرقة البدوي وعبر أي آلية تتم هذه المطالب، وأيضا عبر أي آلية ثم تقديم الدعم الذي صرحت به الوزارة لفرقة عبد القدر البدوي، في حين نضع شروط وقوانين لباقي الفرق، التي ترغب في الحصول على الدعم وحتى وإن حصلت عليه فلنقارنه بما قدمته الوزارة لمسرح البدوي”.

وأضاف هموش “يجب أن تقوم الوزارة بكشف كل الذين استفادوا من مثل هذه العمليات باسم الريادة والوطنية، حتى نضع حدا للابتزاز ونخضع الكل للمعايير التي يحددها القانون”.