أسدل الستار على ما بات يعرف بـ”قضية دانيال” بـ”انتصار مغربي كبير”.. خلاصة أجمع حولها مختلف المتتبعين الوطنيين والدوليين لتفاعلات القصر الملكي والشارع المغربي مع الملف.

الستار أسدل بمشهد أخير صفق له الجميع: إلقاء القبض على المجرم “دانيال” والزج به في أحد سجون إسبانيا واستقبال ملكي لعائلات الضحايا بطعم “الاعتذار”.. “ماوقع كان خطأ لكن تعامل القصر الملكي والملك في هذه القضية كان تعاملا إيجابيا وذكيا وبالتالي فنحن نثمن كباحثين طبيعة المعالجة الملكية لهذا الملف”، يقول أحمد مفيد، أستاذ القانون الدستوري بكلية الحقوق بفاس، في تصريح لـ”لاحد المواقع”، مضيفا: “ما وقع كان خطأ تم تصحيحه بإجراءات أعتبرها جد إيجابية، فهي تعبر، بشكل مباشر وواضح، عن مدى تجاوب الملك مع تطلعات مطالب الشعب المغربي وتضامنه مع أسر الضحايا”.

استثناء مغربي على المحك

“في ظرف أقل من أسبوع، تم حل أزمة كادت تعصف بمكانة الاستثناء المغربي”، هذا الرأي يتقاسمه فاعلون سياسيون ومدنيون مغاربة. نجاة أنور، رئيسة جمعية “ماتقيش ولدي”، قالت في تصريح : “رغم أننا كنا مصدومين من قرار العفو الملكي على اللعين “دانيال” إلا أننا خرجنا بخلاصة، بعد عقد اجتماع طارئ، مفادها أننا كنا متأكدين أن صاحب الجلالة لم يكن ليسمح بالعفو على هذا المجرم لو كان يعلم بفظاعة جرائمه”، كاشفة أنه “لما حاولت التعبير عن ذلك في تصريح مباشر لقناة الجزيرة قاطعني المذيع بمجرد ما أن قلت إن جلالة الملك لا علاقة له بالموضوع وإن لجنة العفو المكلفة هي المسؤولة، مما يدل على أن هذه القناة تسعى، بأي ثمن، إلى خلق الفتن.. نحن لما نقول ماتقيش ولدي فإننا نقول ماتقيش بلادي”، تخلص نجاة أنور.

اختلالات وتلاعبات

“أربع بلاغات صادرة عن الديوان الملكي أثلجت الصدور  وعبرت عن تجاوب تاريخي منقطع النظير بين القصر الملكي والشارع المغربي، واعتراف بـ”الخطأ”، حسب أحمد مفيد، الذي اعتبر أن “مجرما من حجم “دانيال” لم يكن ليستحق، إطلاقا، العفو عنه”، موضحا: “هذه القضية شابتها مجموعة من الاختلالات، إذ لم يكن من حقه الاستفادة، أبدا من العفو على اعتبار أن الجرائم التي ارتكبها تطلبت الحكم عليه بثلاثين سجنا نافذة لم يقض منها سوى أقل من سنتين، ومن الناحية القانونية هذا النوع من المجرمين لا يمكنهم الاستفادة من العفو الملكي”.

الاختلالات المرتبطة بمسطرة العفو الملكي، قضية سبق لجمعية “ماتقيش ولدي” إثارتها، قبل سبع سنوات، وبالضبط سنة 2006، حين تفجرت قضية سائح فرنسي اغتصب أطفالا بمراكش وصور جريمته على شكل فيديوهات وصور، تضمنها حاسوبه الشخصي.. السائح الفرنسي حوكم بأربع سنوات ابتدائيا ثم سنتان استئنافيا قبل أن يستفيد من العفو الملكي. هذا العفو أثار تساؤلات عديدة لدى جمعية “ماتقيش ولدي”، إذ قالت رئيستها نجاة أنور، في معرض تصريحاتها، : “في 2006 عرفنا أن هناك تلاعبات في اللائحة التي تقدم لجلالة الملك بخصوص العفو، وعبرنا عن ذلك في حينه”، مضيفة: “قضية دانيال هي في الواقع نقمة في طياتها نعمة، جلالة الملك أصبح اليوم يقول بصريح العبارة أنه لن يتساهل مع الجناة وبأن لائحة العفو سيشرف عليها شخصيا”.

وقفات وعصا

الشارع المغربي تجاوب، أيضا، مع هذه القضية، نظمت وقفات احتجاجية ورفعت شعارات تنديدية تستنكر قرار العفو الملكي.. الوقفات كانت سلمية لكن إحداها جوبهت بمواجهة أمنية استعملت فيها العصا، ما أدى إلى إصابات.. هذا التعامل الأمني مع وقفة الرباط أسال الكثير من المداد وأجج غضبا غير مسبوق في شبكات التواصل الاجتماعي.. وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة عبر، عن أسفه الشديد لهذا التدخل الأمني وكشف عن فتح تحقيق في الموضوع، لكن تصريحاته المتزامنة مع إصدار العفو عن “دانيال” بأنه “مافراسوش” أثارت سخط الفيسبوكيين.. أحمد مفيد، أكد، في معرض حديثه ، استنكاره لما وصفه بـ”القمع الذي تعرض له المتظاهرون في الشوارع العمومية”.

قانونية سحب العفو

بقدر ما شكلت قضية “دانيال” الصدمة لدى العديد من المغاربة بقدر ما توالت المبادرات الملكية لمعالجة هذا الملف.. كانت البداية بالبلاغ رقم 1 الذي أقر فيه الملك، في اعتراف غير مسبوق، بـ”الخطأ” وأعلن، خلاله، فتح تحقيق لتحديد المسؤوليات، تلاه بلاغ رقم 2 أعلن، خلاله، سحب العفو عن “دانيال”.. قرار بقدر  ما أسعد الكثيرين بقدر ما وجد فيه آخرون ثغرة قانونية، فهل سحب العفو إجراء غير قانوني، حقا؟.. سؤال وجهته  لأستاذ القانون الدستوري أحمد مفيد فكان الجواب: “الأصل هو أنه حينما يتم منح العفو لا يمكن سحبه على اعتبار أن العفو هو  إضفاء لوضعية قانونية على الشخص الذي كان متابعا في إطار جريمة معينة”، قبل أن يستطرد قائلا: “لكن قضية “دانيال” هي قضية خاصة، لان الأمر يتعلق بأطفال أبرياء وبخطأ مادي وجب تصحيحه ما تطلب ضرورة سحب العفو، بصفة استثنائية”.. أحمد مفيد أكد، أيضا، أنه “مادام أن الملك يمنح العفو فهو الذي من حقه سحبه في مثل هذه القضايا الاستثنائية”.

“دانيال” خلف القضبان

بعد سحب العفو عن “دانيال” كان لزاما اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لإلقاء القبض عليه من جديد، فالملك محمد السادس فوض إلى وزير العدل تدبير مسألة تفعيل هذا القرار بتعاون مع وزير العدل الاسباني.. تظافرت الجهود الأمنية بين الدولتين فألقي القبض على “دانيال”، في ظرف قياسي.. “إجراء أطفأ شرارة الغضب لدى الكثيرين فتحول الاستنكار إلى شكر وتقدير للمبادرات الملكية المتتالية بهذا الخصوص”، حسب نجاة أنور، التي أكدت، في معرض حديثها ، أن “التعامل الملكي مع هذه القضية يعد مكسبا كبيرا بالنسبة للأطفال والظاهرة التي نشتغل عليها منذ سنين”.

باق بإسبانيا

إلقاء القبض على “دانيال” ووجوده، اليوم، رهن الاعتقال الاحتياطي بإسبانيا، يثير، الآن، تساؤلات حول إمكانية إرجاعه للمغرب لإتمام عقوبته القضائية أو إعادة محاكمته هناك أو قضائه عقوبته هناك؟.. أحمد مفيد يرد على هذه الأسئلة، من منطلق قانوني، قائلا: “إعادة هذا المجرم  للمغرب من أجل إتمام عقوبته أمر جد صعب إن لم يكن مستحيلا على اعتبار أن الاتفاقيات الثنائية المبرمة بين المغرب وإسبانيا لا تمنح للمغرب إمكانية استرجاع هذا المجرم لقضاء عقوبته”، مضيفا: “نظرا لخطورة جرائم هذا الرجل وللمسطرة الاستثنائية المتبعة، فإنه من الوارد جدا إتمامه عقوبته السجنية بأحد سجون إسبانيا دون إعادة محاكمته من جديد”.

مسطرة استثنائية

التحقيق الذي أمر الملك محمد السادس بفتحه، أفضى، في أقل من 48 ساعة، إلى تحديد المسؤوليات، فالبلاغ رقم 3 الصادر عن الديوان الملكي كشف أن المندوبية السامية للسجون هي المسؤولة عن هذا “الخطأ”، ما ترتب عنه إقالة حفيظ بنهاشم، المندوب السامي للسجون”.. الأخير في تصريح مقتضب له ، دقائق، فقط، بعد صدور البلاغ كشف أنه “لا يعترض على قرار القصر الملكي وأنه يتحمل مسؤوليته الكاملة في هذا الموضوع”.

البعض اعتبر حفيظ بنهاشم غير مسؤول، لوحده، في هذه الواقعة وطالب، أيضا، برأس وزير العدل، فإلى أي حد يعد مصطفى الرميد مسؤولا؟.. أحمد مفيد يرد قائلا: ” في الأصل، هذه المسطرة تتم على مستوى وزارة العدل ورئيس اللجنة التي تقوم بإعداد الملفات هو وزير العدل.. لكن الإسبان الذين تم العفو عنهم في إطار زيارة الملك خوان كارلوس للمغرب لم يتم العفو عنهم في إطار هذه المسطرة وإنما تم اعتماد مسطرة استثنائية”.. أستاذ القانون الدستوري كشف، أيضا، أنه استثناء “لم يكن وزير العدل يرأس هذه اللجنة، فيما يتعلق بأمر العفو عن السجناء الإسبان، وبالتالي فإنه لما تمت إقالة حفيظ بنهاشم شعر الشعب المغربي على أن الملك تفاعل إيجابيا مع تطلعاته ومعاناة الضحايا”.

مبادرة إنسانية

تفاعل الملك محمد السادس مع عائلات الضحايا لم يقف عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى إصدار الديوان الملكي البلاغ رقم 4، أقل ما يمكن أن يوصف به مضمونه، بأنه “مبادرة إنسانية ملكية غير مسبوقة إزاء الضحايا وأقاربهم”، حسب أحمد مفيد، الذي اعتبر أن “الاستقبال الملكي لعائلات الضحايا كان التفاتة ملكية كفيلة لإعرابه عن تضامنه المطلق معهم وأنه لو كان يعلم بجرائم دانيال ما كان ليعفي على مجرم  تسبب في كل هذه الأضرار المادية والمعنوية والنفسية لهم ولأبنائهم الضحايا”.. نجاة أنور تؤكد ذلك، فلقاء الملك محمد السادس مع عائلات الضحايا كان، حسبها، “مكسبا كبيرا بالنسبة للأطفال وللظاهرة ككل”.

الهمة غير مغضوب عليه

التدبير الملكي لـ”قضية دانيال” ذكر العديد من المتتبعين للشأن الوطني بالتدبير الملكي لما يمكنه تسميته بـ”شرارة الربيع العربي التي وصلت، قبل حوالي سنتين للمغرب”، التي أفضت إلى تأسيس حركة 20 فبراير.. خطاب ملكي في 9 مارس 2011 وصف بـ”التاريخي” تلاه تعديل للدستور فانتخابات سابقة لأوانها ثم حكومة يترأسها حزب العدالة والتنمية.

“قضية دانيال”، كشفت، أيضا، حسب مصادر عليمة عن محاولة بعض الأوساط تصفية حساباتها مع النظام، من خلال الترويج لشائعات لا أساس لها من الصحة: “الملك غاضب من فؤاد عالي الهمة”.. “كان عليك أن تقضي أنت الـ28 سنة المتبقية من عقوبة “دانيال” بدلا عنه لأنك ورطتني”.. أخبار تواترت موازاة مع تفجير قضة “دانيال”، فيما الحقيقة شيء آخر.. مصادر جيدة الاطلاع كذبت الخبر، في تصريح قائلة:  “فؤاد عالي الهمة غير مغضوب عليه، وهو يمارس مهامه بكل مسؤولية وبشكل اعتيادي”.

المصادر ذاتها أكدت أن الغرض مما وصفته بـ”الشائعات” كان هو “التشويش على العلاقة التي تجمع ملك البلاد بصديق طفولته فؤاد عالي الهمة، فيما المسؤوليات تم تحديدها وأعفي من مهامهم كل من له علاقة بهذا الملف”.

وتظل قضية العفو الملكي على “دانيال” الواقعة التي وضعت الأصبع على مكمن الخلل في مسطرة العفو، بشهادة الملك محمد السادس، الذي أمر في بلاغه الأول، بإعادة النظر في الإجراءات القانونية المتعلقة بهذا الموضوع.

قضية دانيال فتحت أعين الجميع على ظاهرة أضحت اليوم قبل أي وقت مضى بحاجة إلى حزم وتشديد غير مسبوق، هي ظاهرة الاعتداء الجنسي على الأطفال.. فـ”لا تفاؤل بمستقبل المغرب دون التفاؤل بمستقبل أطفال جديرين ببلدهم”. تختم نجاة أنور حديثها