الكثير منا يعشق منظر الدلافين وهي ترقص داخل استعراضات السيرك أو تداعب أمواج المحيطات، إلا أن القليل من كان يعرف أن هذه المخلوقات الجميلة التي تُمتع العين بابتسامتها وبراءة ملامحها، تُذبح يوميا بمعدل وصل إلى 23 ألف دلفين مقتول في السنة، حتى كشف عن ذلك الفيلم الوثائقي “الخليج”، وكان سببا في تعريف العالم بإحدى أكثر الجرائم بشاعة في حق الحيوانات المائية.

تعلّم لوي بسيوس ، مخرج الفيلم، أن الحياد يجب أن يكون ركيزة الصحافي وصانع الأفلام الوثائقية، وبقي هذا المبدأ ملازما له طوال 18 سنة التي قضاها كمصور بقناة ناشيونال جيوغرافيك، وكان طبيعيا، بحكم اهتمامه بمجال الحيوانات، أن يتعرف على ريك أوبري، مدرب الدلافين في سلسلة “فليبر” التلفزيونية التي أدى دور بطولتها خمسة من هذه الثدييات المائية، وتم إنتاجها سنوات الستينيات، إلا أن المفاجأة التي صدمت بسيوس، أن مدرب الدلافين الذي استقال من مهنته واختار العمل من أجل حقوق الحيوان، اعترف له، أن الدلافين الخمسة، لم تمت ميتة طبيعية، بل انتهت حياتها نتيجة عدم قدرتها على التكيف مع الوسط الجديد، مضيفا أن واحدا منها، اختار الانتحار على إكمال الحياة: “لقد ظلمنا هذه المخلوقات كثيرا..فهي كانت تبتسم لها في حين أنها كانت تنزف دما من الداخل..وبقيت تضحي من أجلنا حتى توفاها الألم” يقول أوبري.

اختيار ريك أوبري للمجال الحقوقي لم يكن سببه الوحيد وفاة هذه الدلافين، بل اكتشافه فيما بعد، لمجموعة من المجازر التي يذهب ضحيتها يوميا عشرات من هذه المخلوقات الظريفة، وهي المجازر التي دفعت بسيوس إلى تغيير قناعته الصحفية، “فالحياد لا وجود له أمام القضايا الكبرى التي على الصحافي المشاركة في تغييرها”، لتأتي فكرة صناعة هذا الفيلم سنة 2004، ويستمر تصويره قرابة الخمس سنوات.

تدور أحداث الفيلم بمدينة “تايجي” اليابانية، حيث استطاع فريق من المتطوعين لحماية الدلافين، اقتحام حوض معزول لا يُسمح بدخوله، واستطاع تصوير مقاطع فيديو صادمة تُظهر بحارا من الدم يُقتل فيها سنويا ما يقارب 23 ألف دلفين، فصيادو اليابان، يعمدون إلى طرد الدلافين من أعماق البحار وجرّهم إلى الحوض المائي عبر قرع طبول بشكل يدفع بالدلافين إلى السباحة عكس التيار، وبعد ذلك، يبحثون عن تلك التي تستطيع القيام بحركات بهلوانية في عروض السيرك والتي يبلغ ثمن الواحد منها 150 ألف دولار، أما البقية التي لم يتم اختيارها، فيتم عدمها لسببين: إما جعلها طعاما لليابانيين، أو انتقاما منها لأنها تلتهم السمك في البحار !

لم يقف الفيلم عند اكتشاف هذه المجازر الرهيبة، بل أنه أثبت كيف أن الشركات اليابانية تحتال على مواطنيها وتكذب عليهم بخصوص معلبات السمك، فهي تبيعها على أنها طونة، في حين أنها تعود للحم الدلفين، الذي ليس شعبيا أبدا لدى اليابانيين ، والذي يحتوي كذلك على مواد سامة، كانت السبب في ظهور مرض خطير باليابان سنوات الستينات عُرف بمرض ميناماتا، تسبب في شلل الأطفال. كما فضح الفيلم الطرق التي تستخدمها اليابان من أجل الضغط على المجتمع الدولي قصد السماح لها بصيد الحيتان الممنوع منذ سنوات السبعينات، لينتهي الفيلم، بمشهد مثير، وهو حمل الناشط أوبري لتلفاز على صدره، ودخوله إلى مؤتمر عالمي حول الصيد البحري، ثم إظهاره لفيديوهات صادمة عن قتل الدلافين، وهو ما أدى إلى جلبة كبيرة لم يتوقف صداها حتى الآن.

من نتائج فيلم “الخليج”، إيقاف توزيع لحوم الدلفين، طرد مجموعة من المسؤولين اليابانيين من مراكزهم، وتوقف بعض الدول عن مساندة الموقف الياباني بخصوص الصيد البحري، وكذلك مظاهرات عالمية نددت بهذه الجريمة البشعة، حيث وقع حوالي 1,7 مليون ناشط من جل دول العالم وثيقة تنادي بضرورة إيقاف صيد الدلافين، إلا أن الفيلم، وفي الجانب الآخر، أحيا حربا ثقافية بين اليابان والولايات المتحدة، فقد رأى الكثير من سياسيي هذا البلد الآسيوي، أن بلاد العام سام تحاول النيل من سمعتهم باستخدام السينما، بينما ردّ الأمريكيون، أن “الخليج” لا يعني سوى الطاقم الذي أنتجه وأخرجه، وأن السينما الأمريكية تحتوي على أفلام تنتقد حتى ما يقوم به باراك أوباما !

لكن يبقى الأهم، أن فيلم الخليج المتوج بجائزة أوسكار أفضل فيلم سنة 2010، أثبت قوة السينما الوثائقية على التغيير وعلى تحسين ظروف عيش الإنسان والحيوان معا، واستطاع تحقيق شهرة منقطعة النظير، جعلت نصيبه من الجوائز يتجاوز ال26، رغم أن تكلفته لم تتجاوز 5 ملايين دولار أمريكي، وهي الميزانية التي لا يصل إليها حتى أبسط أفلام هولييود!